الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

«يَدا أبي»..

23 يونيو 2026 00:10 صباحًا | آخر تحديث: 23 يونيو 00:10 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
على نحو ما يتحوّل «لويس أولبرغ» إلى والد أبيه في روايته (يَدا أبي) فقد وُلِدَ لأب وأمّ أصمّين، وكان عليه أن يجعل يَدي أبيه تتكلمان، ليس بلغة الإشارة بمعناها الوظيفي المباشر، بل تتحوّل اليدان إلى لسان.. بل، لسان حقيقي ينطق، ويشرح، ويصف، ويُقنع..
يضع أولبرغ لروايته التي تدور كلّها تقريباً حول أبيه الأصمّ مدخلاً دالاً من نيتشه: «إن الصامت في الأب ناطق في الابن، ولطالما وجدت في الابن سرّاً للأب، مكشوف النقاب»، وهذا ما يتطابق مع مثلنا العربي الدارج: «الولد سرّ أبيه»، وقد استطاع أولبرغ أن يحيط بحياة أبيه الأصم بكل ما فيه من سرّ ومن علانية، لقد أصبح جسده الطفل متلبّساً في جسد أبيه الرجل، لا لكي يذوب في أبيه، بل، لكي يحميه.. ويدافع عنه..
يقول: «إن والدي كان ناضجاً، فيما كنت مجرد طفل، لكن افتقاده القدرة على التكلم والسمع بشكل جلي، خارج شقتنا الصامتة، دفع بي لأصبح أذنيه وفمه في عالم يستخدم الآذان، حدث الأمر أول مرة حين كنت صبياً صغيراً بالكاد يبلغ من العمر خمس أو ست سنوات، فقد اصطحبني إلى متجر الدواجن، هناك تدلّت الدجاجات من السقف بعقافات معدنية، وعيونها العمياء مصوّبة نحو أرضية غطتّها نشارة الخشب. هناك شرعت يداه تتحركان..».
أصبحت حياة الابن مندغمة في حياة الأب، فالابن صار لغة أبيه، إنه قاموسه اليومي الذي يترجم لغة اليدين إلى مفاهيم وأفكار.. «..في طفولتي، كان ينتابني شعور بمدى عظمتي كلما وجدتني أقوم بالتفسير لأبي في متجر الدواجن أو في سوق الخضار. دوري كمفسّر ومترجم كان مصدر فخر بالنسبة لي».
ليس موضوع الرواية هو لغة الإشارة أو لغة الجسد، كما يتبادر إلى بعض من قرأها وعلّق عليها، بل، هي رواية الابن الذي يصبح أباً لأبيه، وهي أيضاً رواية الأب الذي يحوّل عجزه عن الكلام إلى معجزة إنسانية على شكل بطولة يومية يتغلب فيها على صممه بكبرياء الإنسان في داخله وقدرته على اجتراح لغة من اللّالغة. اجتراح لغة من الصمت، هذا مع أن يَدي الأب لم تتوقفا عن الكلام، ولم تغيبا في الصمت الذي لا يسيطر إلاّ على فم الإنسان ولسانه...
كان أبي قليل الكلام، لم يكن يقرأ ولا يكتب، وبالكاد كان يفك حروف اسمه، وحين كان يكتب اسمه ببطء شديد وتركيز أشدّ كان يبتسم، وينظر إليّ وكانت أجمل الكلمات مكتوبة بخط أبي: «أحمد»...
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة