في العالم اليوم، بات كل شيء يخص تفاصيل حياتنا الاجتماعية والثقافية رهن التغير والتبدل، تزامناً مع ما شهدته التكنولوجيا من ثورة هائلة يقودها الذكاء الاصطناعي، مع تقنيات الجيل الخامس والسادس وغيرها.
في المسرح على سبيل المثال، بتنا أمام ما يعرف بـ«المسرح الرقمي» وهو شكل فني هجين يدمج بين الأداء المسرحي الحي والوسائط الرقمية، حيث بات المسرحيون يحرصون على إشراك الجمهور في صناعة العرض، متجاوزين حدود الخشبة التقليدية إلى فضاءات افتراضية تفاعلية، هنا، يصبح الجمهور شريكاً في توجيــه مسار الأحداث والنصوص عبر تقنيات الاتصال والشاشات.
ومن ذلك أيضاً، ما يعرف بـ«السينوغرافيا الرقمية»، التي تستبدل الديكور التقليدي بشاشات عرض ضخمة ومؤثرات بصرية وصوتية حية تخلق بيئة خيالية، مع ما يتيحه ذلك من تجاوز الزمان والمكان، وتقديم عروض عبر الإنترنت للمشاهدين في منازلهم.
ذلك بطبيعة الحال، لا ينسينا ذلك التحول الجذري في الفنون، منذ مصطلح «مسرح ما بعد الدراما» المنسوب للباحث الألماني هانز ثيس ليمان، الذي برز في النصف الثاني من القرن العشرين، وأحدث تحولاً جذرياً في العروض المسرحية بتخليها عن القواعد التقليدية للدراما، مدشناً مفهوماً نقدياً يصف التحولات الجذرية في العروض من خلال ابتعادها عن هيمنة النصوص الأدبية والتركيز على العروض باعتبارها كائناً مستقلاً بذاته، وتعتمد على الجسد، والتكنولوجيا، والفضاء البصري.
أمام هذا الواقع الجديد الذي فرضته التكنولوجيا، يبقى السؤال قائماً على المستوى العربي، حول المطلوب من المسرح الرقمي؟ حيث يطرح المختصون أسئلة ملحة حول ضرورات تجاوز الاستهلاك الشكلي للتقنيات إلى توظيف المحتوى الجاد في المسرح، وينادون بضرورة تأسيس بنية تحتية رقمية، ودعم كتابة النصوص التفاعلية، وتطوير سينوغرافيا رقمية، إلى جانب التأهيل الأكاديمي للكوادر الفنية.
هذه الاشتراطات باتت اليوم تمثل تحدياً حقيقياً أمام صناع المسرح، في ظل ميل الكثيرين إلى الاستمتاع بمعطيات ووهج النصوص الأدبية في المسرح، تزامناً مع نشأة أجيال جديدة تعزف عن النصوص المسرحية نحو الفضاء الافتراضي، وهي معادلة صعبة تحتاج إلى بنى تحتية ومؤسسية توفر التجهيزات الحديثة من برمجيات الواقع الافتراضي، وتقنيات العرض التفاعلي في قاعات المسارح، دون إغفال الهوية الثقافية والتراث العربي في النصوص الدرامية.
