تتبدل معايير الأمن في الشرق الأوسط بوتيرة أسرع مما اعتدناه، ولم يعُد ميزان القوة العسكرية وحده قادراً على تفسير قدرة الدول على البقاء، أو الانهيار. فالعالم اليوم يشهد انتقالاً واضحاً من مفهوم الأمن التقليدي إلى مفهوم أوسع وأكثر عمقاً، تتداخل فيه الطاقة، والغذاء، والمناخ، والاقتصاد، والمجتمع، والمؤسسات.
وفي قلب هذا التحول تقف الاستدامة، لا بوصفها هدفاً تنموياً فحسب، بل باعتبارها قوة ناعمة ومعادلة صمود في منطقة تتعرض لصدمات متلاحقة، من التوترات في مضيق هرمز إلى الصراعات الممتدة في لبنان وسوريا واليمن، وصولاً إلى التحولات الجيوسياسية التي تعيد رسم خرائط النفوذ.
إن مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 21% من تجارة النفط العالمية، يمثل نموذجاً واضحاً لهذا الارتباط بين الاستدامة والأمن. فكل اضطراب في هذا الممر الحيوي يرفع أسعار النفط بنسبة تتراوح بين 5% و15%، خلال أيام، ويزيد كلفة التأمين البحري بما يصل إلى 300%، ويؤثر مباشرة في سلاسل الإمداد العالمية. وفي المقابل، فإن الدول التي استثمرت في الطاقة النظيفة - مثل الإمارات التي رفعت حصة الطاقة المتجددة إلى 30% من مزيج الطاقة في 2025، وتتجه إلى 44% بحلول 2030 - أصبحت أقل عرضة لتقلبات الجغرافيا السياسية، وأكثر قدرة على حماية اقتصادها من الصدمات. إن محطة براكة النووية وحدها ستوفر 25% من احتياجات الكهرباء في الدولة، ما يعزز أمن الطاقة، ويقلل الاعتماد على الممرات البحرية الحساسة، ويجعل الاستدامة أداة أمنية بامتياز.
ولا يقتصر الأمر على الطاقة. فالتغيّر المناخي يضرب المنطقة بمعدل أسرع بمرتين من المتوسط العالمي، وفق تقارير الأمم المتحدة، ما يجعل الأمن المناخي جزءاً من الأمن الإقليمي. وتشير التقديرات إلى أن موجات الحر الشديدة قد تؤدي إلى انخفاض الإنتاجية الاقتصادية بنسبة 10% بحلول 2050، وأن خسائر الكوارث المناخية في المنطقة تجاوزت 30 مليار دولار، خلال العقد الأخير. وفي هذا السياق، يصبح الاستثمار في الطاقة المتجدّدة، وإدارة المياه، والزراعة الذكية، ليس خياراً بيئياً، بل ضرورة استراتيجية لحماية الاقتصادات والمجتمعات من الانهيار.
أما على مستوى المؤسسات، فإن الهدف السادس عشر من أهداف التنمية المستدامة - المتعلق بالسلام والعدل والمؤسسات - يكشف عن بعد آخر للأمن الإقليمي. فالأمم المتحدة تقدّر أن الدول التي تعاني صراعات تفقد ما يعادل 20 سنة من التنمية في كل عقد من الحرب، وأن كلفة عدم الاستقرار في الشرق الأوسط تتجاوز 700 مليار دولار، سنوياً. وتُظهر التجارب أن الدول ذات المؤسسات القوية تتعافى من الأزمات أسرع بثلاث مرات من الدول ذات المؤسسات الضعيفة. وهذا يفسر لماذا أصبح بناء المؤسسات، وتعزيز سيادة القانون، وحماية المجتمع، جزءاً من مفهوم الأمن الوطني، وليس مجرد سياسات داخلية. وفي قلب هذا كله، يقف البعد الاجتماعي للاستدامة، وهو البعد الذي يحدّد قدرة الدول على الصمود الحقيقي. فالاستدامة الاجتماعية ليست مجرد خدمات أو برامج، بل هي قدرة المجتمع على حماية نفسه من التفكك، وعلى الحفاظ على قيمه، وعلى بناء علاقة ثقة بين المواطن والدولة. وتشير الدراسات إلى أن كل دولار يُستثمر في رأس المال الاجتماعي يوفر أربعة دولارات من الخسائر المحتملة أثناء الأزمات. وفي هذا السياق، تقدم الإمارات نموذجاً واضحاً في ربط الاستدامة بالأمن الاجتماعي، من خلال برامج حماية الأسرة، وتمكين المرأة، وتعزيز الهوية الوطنية، وتطوير التعليم، وبناء مجتمع متسامح قادر على مواجهة الأزمات، من دون أن تتأثر بنيته الداخلية.
وعلى المستوى الاقتصادي، فإن الهدف الثامن المتعلق بالنمو الاقتصادي والعمل اللائق يرتبط مباشرة بالأمن الإقليمي. فالبنك الدولي يقدّر أن النزاعات الإقليمية تخفض النمو في الدول المجاورة بنسبة 2% إلى 4%، سنوياً.
إن تجربة الإمارات خلال العقدين الماضيين تقدم مثالاً عملياً على أن الاستدامة ليست شعاراً، بل استراتيجية أمنية. فتنويع الاقتصاد، والاستثمار في الطاقة، المتجدّدة والنووية، وتعزيز الأمن الغذائي، وتطوير البنية التحتية، وبناء مجتمع متماسك، كلها عناصر جعلت الدولة أقل تأثراً بالأزمات الإقليمية، وأكثر قدرة على لعب دور إيجابي في استقرار المنطقة. لقد تحولت الاستدامة في الإمارات إلى قوة ناعمة، وإلى ضمانة للأمن الوطني، وإلى إطار لفهم المستقبل.
وفي ضوء ما تشهده المنطقة اليوم من تحولات، يمكن القول إن الاستدامة أصبحت اللغة الجديدة للأمن الإقليمي. فالدول التي تستثمر في الإنسان، وفي المؤسسات، وفي الاقتصاد المتنوع، وفي الطاقة النظيفة، وفي الشراكات الدولية، هي الدول التي ستنجح في عبور المرحلة المقبلة بأقل الخسائر. أما الدول التي تبقى رهينة الصراعات، أو تعتمد على معادلات أمنية تقليدية، فستجد نفسها خارج مسار التاريخ. إن الأمن الإقليمي لن يتحقق بالقوة وحدها، ولن يستمر بالاتفاقات المؤقتة، بل ببناء بيئة مستدامة قادرة على امتصاص الصدمات، وحماية المجتمع، وضمان استمرارية التنمية. وهذا هو التحدي الحقيقي للمنطقة، وهو أيضاً الفرصة الكبرى لإعادة صياغة مستقبل أكثر استقراراً وإنسانية.
