منذ عقود، ترتفع، بين الحين والآخر، أصوات في إيران مشككة في عروبة البحرين، زاعمةً أنها جزء من إيران، وهذا ما برز، مؤخراً، في مقال لرئيس تحرير صحيفة «كيهان» الإيرانية، كرر فيه الزعم نفسه، على خلفية الحرب التي عاشتها المنطقة مؤخراً.
وحين تفحص هذه المزاعم في ضوء التاريخ تتبين هشاشتها وزيفها، لأن عروبة البحرين وارتباطها الجغرافي والبشري والثقافي بشرق الجزيرة العربية حقيقة ثابتة عبر القرون. ويذهب المؤرخ العراقي الكبير جواد علي في موسوعته الشهيرة: «المُفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام» إلى أن شرق الجزيرة العربية كان موطناً لقبائل عربية كبيرة قبل الإسلام بقرون، وفي مقدمتها عبد القيس وبكر بن وائل وتميم والأزد، وكانت هذه القبائل تشكل البنية السكانية الأساسية للمنطقة، بما فيها جزر البحرين.
وقبل ذلك كانت البحرين موطن حضارات عريقة، تدل عليها آثارها الموجودة حتى اللحظة، أبرزها حضارة دلمون التي ازدهرت منذ الألفية الثالثة قبل الميلاد، وهي حضارة سبقت الإمبراطوريات الفارسية نفسها بآلاف السنين، وكانت مركزاً تجارياً مستقلاً يربط بين بلاد الرافدين ووادي السند.
كما أن البحرين أنجبت أحد أشهر شعراء العرب في العصر الجاهلي، الشاعر طرفة بن العبد من بني بكر بن وائل، وهو ما يعكس عمق الحضور العربي في المنطقة قبل الإسلام بوقت طويل، كما كانت من أوائل مناطق الجزيرة العربية التي دخلت الإسلام سلماً.
حين قرر الإنجليز الانسحاب من منطقة الخليج العربي مطلع سبعينيات القرن الماضي، طالب شاه إيران، يومها، بضمّ البحرين، فأوفدت الأمم المتحدة بعثة لتقصي رغبات السكان، وانتهت المهمة إلى نتيجة قاطعة بأن شعب البحرين يؤكد هويته العربية، ورفضه الادعاء الإيراني، وعلى أثر ذلك تخلت إيران رسمياً عن مطالبها، وأصبحت البحرين دولة مستقلة وعضواً في الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية.
وعليه، فإن القراءة المتأنية للتاريخ تقود إلى نتيجة واضحة: البحرين عبر تاريخها جزء من شرق الجزيرة العربية، عربية السكان والثقافة والانتماء، حتى عندما تعرضت، مثل غيرها من بلدان المنطقة، لفترات من الاحتلال أو النفوذ الخارجي، فتعاقب الدول والإمبراطوريات على حكم منطقةٍ ما لا يعني تبدل هويتها القومية أو الثقافية، وإلا لاعتبرت أجزاء واسعة من العالم العربي غير عربية لأنها خضعت في فترات مختلفة للعثمانيين أو المغول أو الأوروبيين.
