الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

الدواء والمهدئ

19 يونيو 2026 00:32 صباحًا | آخر تحديث: 19 يونيو 00:33 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
«أكاذيب مريحة.. وحقائق غير مريحة»، عبارة نستلّها من كتاب صدر، مؤخراً، لنائب الرئيس الأمريكي جي. دي. فانس، بعنوان: «المناولة: كيف وجدت طريقي للعودة إلى الإيمان»، وأتت في سياق حديث فانس عن مشاركته في مؤتمر ميونخ للأمن عام 2024، حيث وصفه بالمكان الذي «يغرق فيه الناس في أكاذيب مريحة بدلاً من مواجهة الحقائق غير المريحة»، مضيفاً أن ذلك قد يوفر راحة نفسية، لكنه يعرقل اتخاذ قرارات حكيمة.
بعيداً عن السياق الذي أتت فيه العبارة، وجدناها محفزة على الوقوف عند ما يُفرّق بين الحقائق والأكاذيب، وكيف يصبح الإقرار بالأولى موجعاً أحياناً، فيما يوفر «تصديق» الثانية راحة، لكنها وهمية وزائفة. ويتأرجح البشر، أفراداً وجماعات، بين الحالين؛ يعلنون احترامهم للحقيقة، لكنهم أكثر ما يميلون إلى تبنّي الأكاذيب التي تمنحهم ما يحسبونه طمأنينة تخفف وطأة خوفٍ، أوتحقق مصلحة.
تزدهر الأكاذيب المريحة لأنها تقدم للإنسان ما يحتاج إليه عاطفياً، لا ما يحتاج إليه معرفياً، فهي تريحه من عبء التفكير والمراجعة، وتقدّم له تفسيرات جاهزة، وبدلاً من مواجهة الواقع، تتيح له الاحتماء بالأوهام. ولهذا السبب لا تنتشر الأكاذيب لأنها أكثر إقناعاً من الحقائق، بل لأنها غالباً أكثر ملاءمة للرغبات البشرية.
كثير من الأكاذيب المريحة يتخذ شكل شعارات جذابة، أو سرديّات جماعية، أو أساطير اجتماعية. فقد تؤمن جماعة ما، بأنها استثناء من قوانين التاريخ، أو يقتنع مجتمع بأن مشكلاته كلها ناتجة عن عوامل خارجية، أو يتوهم فرد أن الزمن مدين له بالنجاح لمجرد أنه يتمناه. هذه ليست أكاذيب حرفياً، لكنها أوهام مريحة تؤدي الوظيفة نفسها: إبعاد الإنسان عن مواجهة الواقع.
المجتمعات التي ترفض مواجهة حقائقها المؤلمة تظلّ أسيرة الماضي. فالتقدم يبدأ عادة من الاعتراف بالمشكلات، لا من إنكارها. وكل نهضة فكرية كبرى في التاريخ سبقتها لحظة شجاعة واجه فيها مفكرون ومصلحون حقائق لم يكن المجتمع راغباً في سماعها، ولم تكن مقاومة هؤلاء نابعة من ضعف حججهم، بل من قوة ما كشفوه من وقائع «غير مريحة».
ومن أبلغ ما طالعنا حول الموضوع قول يُشبّه الفرق بين الحقيقة غير المريحة والكذبة المريحة، بالفرق بين الدواء والمهدئ، فالدواء قد يكون مرّاً، لكنه يعالج المرض، أما المهدئ فيخفف الألم من دون أن يزيل سببه، وربما يطيل أمده.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة