الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

سوء فهم قديم

28 يونيو 2026 00:03 صباحًا | آخر تحديث: 28 يونيو 00:03 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
مع فيلم «عيد الميلاد المرير» للمخرج الإسباني بيدرو ألمودوبار، والذي نافس على جائزة السعفة الذهبية في سياق «مهرجان كان» الفائت، والذي نرى فيه انجذاب السينما إلى «شخصية الكاتب» كشخصية رئيسية، تدور الأحداث في الفيلم بين خطين سرديين، الكاتب والمخرج الذي يعيش في أزمة إبداعية، وشخصية أخرى هي إلسا المرأة المتخيلة لذلك الكاتب والتي تدور أحداثها داخل السيناريو الذي يكتبه، وداخل هذا الخط السردي يبني الفيلم معناه على التبادل بين الكاتب وشخصيته المكتوبة.
لكن المشكلة في الرؤية السينمائية لشخصية الكاتب، والتي في الغالب تصر أفلام كثيرة على رؤيته بوصفه شخصية مأزومة ومكسورة، وقريبة دائماً من حافة الانهيار، وكأن الكاتب يجب أن يكون أشعث معذباً فاقداً للتوازن، وهذه الصورة صارت مألوفة إلى حد مزعج في الرؤية السينمائية، التي تتعامل مع«شخصية الكاتب» في كثير من الأحيان كمادة جاهزة للتوتر والدراما النفسية، والمشكلة هنا أن هذا التكرار يختزل الكاتب في هذا القالب النفسي المتوتر، ويحول الكتابة من فعل معرفة إلى علامة على القلق والاضطراب.
ولعل هذا الميل لتقديم الشخصية بهذا النمط من قبل المخرجين مرده إلى أنهم يعرفون أن الحبكة عندما تدور حول «الكاتب المأزوم» تكون أكثر جاذبية للجمهور، ففيها توتر داخلي وصراع بصري، وفرصة لعرض الانكسار الإنساني، لكن الثمن هو تقديم صورة ناقصة ومضللة عن شريحة الكتاب، فالحقيقة أن الكاتب هو مجرد إنسان طبيعي يعاني ويفرح وينجح ويبدع مثل الآخرين، وهو أيضاً شخص يشتغل على صياغة المعاني ويعيد ترتيب العالم عبر النص، ولكن عندما يتم حذف هذه الجوانب، تصبح شخصية الكاتب أقرب إلى رمز نفسي منها إلى إنسان طبيعي كامل.
مزعجة جداً هذه المبالغة في ربط الكتابة بالانكسار والهشاشة النفسية، فهي للأسف تؤدي إلى نتيجة ترسخ فكرة أن الإبداع لا يولد إلا من العلل النفسية أو الألم، مع أنها فكرة جذابة درامياً، لكنها ضعيفة فكرياً وظالمة لشريحة تشتغل على الفكر والفكرة وتقدم بأفكارها بنية تحتية لتطوير الحضارة الإنسانية.
على كل حال، ليس كل كاتب مضطرباً، وليس كل نص هو وليد أزمة نفسية، وليس كل فعل إبداعي يحتاج إلى صورة العذاب كي يكون مقنعاً، الأفضل أن تنظر السينما إلى الكاتب بوصفه شخصية مركبة، لا بوصفه حالة مرضية أو نفسية، نريد أن نراه يفكر ويصوغ ويشيد، وأن يكون تردده نابعاً من أسئلة فكرية وفنية، لا من اضطراب حياته الشخصية، فالكاتب ليس قالباً سينمائياً للقلق، وعندما تغفل السينما هذه الحقيقة، فهي لا تسيء إلى الكاتب وحده، إنما تمس جوهر الكتابة نفسها.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة