ربما لا ينتبه معظمنا، إلا بشكل عابر، إلى شعار المسرح المكون من قناعين، أحدهما باسم والآخر غاضب أو ربما حزين. الأول يرمز إلى الكوميديا والفكاهة والسخرية، والثاني يشير إلى المأساة والتراجيديا. وما حياة الإنسان إلا تقلب بين نوعين من المشاعر: ضحك وبكاء. هذا بالضبط ما يقوله لنا القناعان والرمزان، وهنا تكمن عبقرية اختيار الأقنعة كعنوان للفن المسرحي الذي ينتمي بالفعل إلى الإنسان في كل العصور، فهو يروي حكايته منذ الأزل.
تختبئ خلف هذه الأقنعة حكاية ضاربة في القدم، تعود إلى العصر الإغريقي، حيث استُعين بها لأول مرة في الأداء المسرحي. ويحيل كل قناع منهما إلى إحدى شخصيات الميثولوجيا القديمة المعروفة ب «الميوزات» أو ربات الفنون، فالقناع الباسم الهزلي يحاكي «ثاليا»، التي يعني اسمها النمو والازدهار، وتجسّد البهجة والحبور والشعر الريفي. أما القناع الحزين، فيشير إلى «ميلبوميني»، التي جسدت شخصية الغناء المأساوي والندب والفجيعة. ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل ارتبط القناعان بالشخصية الأسطورية الإغريقية «ديونيسوس»، الذي كان يرمز لدى اليونانيين القدماء إلى تفجر المشاعر والوجدان الجياش.
وفي سياق الأداء المسرحي القديم، كانت تلك الأقنعة تمكّن الممثل الواحد من تجسيد شخصيات شتى، إذ كان يؤدي أدواراً متعددة في العرض، لا سيما في المسرحيات الملحمية. فبينما ينتقل الفنان من قناع إلى آخر، يتلون بأحاسيس مختلفة وينصهر في حيوات مغايرة. ومن هنا تتجلى عبقرية هذه الأقنعة، إذ باتت مرآة تعكس تقلب النفس البشرية.
علاوة على ذلك، تنطوي هذه الأقنعة على فكرة حجب الحقيقة، وهو مفهوم لا يزال حياً في واقعنا المعاصر المليء بالتلوّن والزيف. فالكثير من البشر يرتدون أقنعة مجازية في حياتهم اليومية، ليخفوا خلفها مشاعرهم الحقيقية أو طباعهم الأصيلة، بغية الظهور بصورة مغايرة يفيض ظاهرها بالطيبة بينما يتوارى الشر في كواليسها. وفي أحيان كثيرة، تفرض وتيرة الحياة السائدة على المرء ارتداء قناع يروق للآخرين، حتى وإن نأى تماماً عن جوهره الصادق.
لا يقف هذا الشعار عند حدود الوفاء للمسرح الإغريقي، حيث تشكّلت البدايات الأولى لهذا الفن، بل يمتد ليكون تعبيراً حياً عن واقع ملموس، واقع يستمد راهنيته واستمراريته طالما بقيت الأقنعة متشبثة بالوجوه، وما دام المختبئون خلفها يتجولون في مسرح الحياة بحرية تامة. إن الأمر يعيدنا إلى مقولة أحد أعظم رموز المسرح عبر التاريخ، وليم شكسبير، حين قال: «ما الدنيا إلا مسرح كبير، وكل الرجال والنساء ما هم إلا لاعبون»، ولعل كل امرئ في هذا الفضاء الفسيح يتقن أداء دوره، مستعيناً بما يناسبه من أقنعة.
