محمد شالوه *
الإمارات، منذ تأسيس الاتحاد، أدركت أن عمق الدول وحجم تأثيرها يُبنى من خلال الدور الدولي الفاعل، إلا أن النموذج الإماراتي تفرّد في وضع تصوّر مختلف لشكل وآلية ومضمون التأثير، ونجح في إثبات نجاح هذا التصوّر من خلال ما تشهده الساحة الدولية من احترام وتقدير وهيبة لاسم الإمارات وعلم الإمارات ونموذج الإمارات.
ومع نهاية حقبة الحرب العالمية الثانية، بدأت مؤسسات المجتمع الدولي والمنظمات الدولية في الازدهار والتوسع، لا سيّما مع أفول نجم القوى التقليدية التي تحكم العالم قبل ذلك، وانحسار نفوذها العسكري بالتزامن مع زيادة وتيرة استقلال الدول. هذه الحقيقة أسست لنظام دولي أكثر تعقيداً من جانب، وأعمق تنوعاً من جانب آخر، ما زاد في أهمية المؤسسات والمنظمات الدولية كمنصات لتبادل الآراء والتشاور واتخاذ القرارات، خاصة تلك العابرة للحدود، مثل اتفاقيات جنيف، واتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية، واتفاقية باليرمو، ومعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، واتفاقية باريس للمناخ، وغيرها الكثير.
وبالنظر إلى معاناة العالم من آثار ونتائج الحرب العالمية الثانية، فقد تأثر النظام الجديد – في حينه – بمبدأ تعددية الأقطاب من خلال وجود قوى «حديثة العهد» يمكنها التأثير بشكل واضح في مسارات العمل الدولي وتوجهاته وأولوياته، في مقابل قوى أخرى، وتصادم مبادئ النظام الرأسمالي وطموحاته بالنظام الاشتراكي. ظل هذا التصادم قائماً حتى أصبحت السمة الغالبة للأسواق والاقتصاد العالمي الحديث مبنية على مميزات النظام الداعم لحرية التجارة ورأس المال والملكية الفردية وفتح الأسواق أمام البضائع والخدمات، ويبدأ معها حقبة «القطب الواحد» قبل أن تعود «تعددية الأقطاب» بالظهور مجدداً في العقدين الماضيين تحديداً مع بروز القوة الاقتصادية وحجم التأثير الدبلوماسي كعوامل رئيسية نحو التأثير الدولي، وليس مجرد القوة السياسية والعسكرية، بل إن القوة الاقتصادية أصبحت تجر خلفها المصالح الاستراتيجية في الكثير من الأحيان.
الإمارات، منذ تأسيس الاتحاد، أدركت أن عمق الدول وحجم تأثيرها يُبنى من خلال الدور الدولي الفاعل، إلا أن النموذج الاماراتي تفرّد في وضع تصوّر مختلف لشكل وآلية ومضمون التأثير، ونجح في إثبات نجاح هذا التصوّر من خلال ما تشهده الساحة الدولية من احترام وتقدير وهيبة لاسم الإمارات وعلم الإمارات ونموذج الإمارات.
هذا النموذج نجح في تجاوز حالات «الاستقطاب» في العالم، وذلك من خلال عدسة ترى العالم برمته شريكاً للبناء والتنمية، وترى في كل دولة في المجتمع الدولي فرصة لتكوين شراكة استراتيجية وتحقيق المنفعة المتبادلة، وهذا ما يفسر نجاح الدولة في بناء هذه الشبكة القوية من الشراكات الدولية على امتداد كافة خطوط الطول من شرق العالم لغربه.
الشراكات التي بنتها الدولة لم تكن يوماً مقتصرة على المنافع الاقتصادية فحسب، فالثقة في اسم الإمارات تجعل منها شريكاً استراتيجياً على مختلف المستويات، فأصبحت شريكاً للعديد من الحكومات في تطبيق ونقل المعرفة لمعايير العمل الحكومي الرائد والتميّز المؤسسي من خلال برنامج التبادل المعرفي الحكومي.
كما نجحت الدولة في تطوير هذه الشراكات في أحد أكثر المجالات حساسية ودقة، مثل الشراكات مع الشبكة الدولية لمجموعة العمل المالي المعنية بمواجهة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وتمويل انتشار التسلح، حيث غدت شراكات الإمارات الاستراتيجية نموذجاً للعمل الدولي.
* مدير إدارة الشراكات الاستراتيجية والاتصال في أمانة اللجنة الوطنية لمواجهة غسل الأموال
محمد شالوه
