مررت على فندق الكناري، أحد أعرق الفنادق الصغيرة الكائنة في جبل اللويبدة، أحد الجبال السبعة التي تقوم عليها عمّان.
فندق مبني من الحجر القديم، وقد مرّت عليه السنوات، وفي كل مرحلة من عمره يزداد عراقة وجمالاً، وفي الفندق، وقبل نحو ثلاثين عاماً، كتب الشعراء: زهير أبو شايب، وطاهر رياض، ويوسف عبدالعزيز، قصيدة مشتركة، كان لها وقع هائل في الصحافة الأردنية الثقافية، وأثارت جدلاً أدبياً واسعاً، شارك فيه صحفيون، ونقاد، وشعراء، وحتى بعض الروائيين أدلى بدلوه، كما يقولون، حول فكرة الكتابة المشتركة للشعر، والمهم في الأمر، أن القصيدة، آنذاك، كانت موضوع الصحافة، موضوع جدل وحوار وحزمة كبيرة من الآراء والأفكار، وشكّلت تلك الحالة الثقافية حافزاً مهماً على الكتابة، وأصبح الشعراء الثلاثة نجوماً متقاربة في سماء الثقافة الأردنية، وسوف تمر الأيام، وتكبر صداقة أولئك الشعراء، لينالوا معاً هم الثلاثة، قبل أسابيع قليلة، جائزة الأركانة المغربية، بوصفهم ثلاثياً أدبياً إبداعياً، إلى جانب الشاعر غسان زقطان، يمثّل أبرز تجليات الشعرية الفلسطينية، كما جاء في حيثيات الجائزة.
مررت على «الكناري» وحيداً لأكتب هذه الكلمات، وورائي ثمانينات وتسعينات القرن العشرين، وإذ أجلس وحيداً بانتظار صديقي الشاعر الرسام محمد العامري، رأيت أن كل شيء تغيّر في هذا المكان الذي كان من الحجر، والآن هو أيضاً من الحجر، ولكن لا شعراء في المكان، ولا قصائد مشتركة، بل أنت الآن في قلب هدوء باذخ، وموسيقى ناعمة، وحداثة جديدة تماماً، ومثلما، لكل زمان دولة ورجال، فإن لكل زمان قصائد وشعراء..
بالقرب من «الكناري» يقع مبنى رابطة الكتّاب الأردنيين في الثمانينات، وآنذاك كان جبل اللويبدة، وما زال، جبل ثقافة، إن جازت العبارة، أذكر كان أحد مكاتب وزارة الثقافة الأردنية في جبل اللويبدة، قبل نحو أربعين عاماً، وكانت في الجبل نقابة أو جمعية المسرحيين، وكان الوقت من العصر حتى المساء يشبه قصيدة، وفي الجبل مطعم هاشم الذي يقدّم الفول والحمص والفلافل، وما من عضو في رابطة الكتّاب، أو في نقابة المسرحيين، إلّا وأفطر أو تغدّى أو تعشّى في ذلك المطعم الذي كان من غرفة واحدة.. صاج الزيت يغلي ويقلي الفلافل، والخبز ساخن، والشطّة الحمراء في صحون صغيرة، وإلى جانبها رؤوس البصل..
كان شبابي وشباب جيلي الثمانيني في جبل اللويبدة، من الرابطة، إلى «الكناري»، إلى دوّار فراس، حيث كان يكثر الياسمين الأبيض في الجبل، وكل البيوت من الحجر العَمَّاني القديم، حجر كانت منى السعودي تضربه بالإزميل، فينبجس منه الماء.
