الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

القلم والمشرط

30 يونيو 2026 00:07 صباحًا | آخر تحديث: 30 يونيو 00:07 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
سافر الكاتب الصيني «لو شون» إلى اليابان عام 1902، والتحق بكلية «سينداي الطبية»، (التي تعرف اليوم باسم جامعة توهوكو)، ويُروى أنه خلال دراسته للطب شاهد صورة لرجل يقاد إلى الإعدام، بينما من حوله يتفرجون على المشهد في حالة من الجمود والبرود، ويقال إن تلك المأساة ولحظة الصمت التي بدا فيها وكأن الجمهور قد فقد الإحساس بما يجري، قد حركت في ذهنه سؤالاً حول جدوى معالجة الجسد إذا كان الوعي الجمعي هو ما يحتاج الى العلاج.
لم يكن ذلك الطرح عند «لو شون» انتقاصاً من دور الطب، فالمشرط الجراحي ينقذ أرواحاً كثيرة ويخفف عن الإنسان الألم، ويمنحه فرصة جديدة للتعافي والعودة للحياة، لكن الجدلية التي دارت في رأس الرجل، كانت قد تجاوزت الأمر إلى مساحة أخرى من الداء والدواء، حيث لا مشارط ولا غرف عمليات ولا أدوية، هناك في الوعي الجمعي والأفكار الجامدة، والتصورات الخاطئة، والتعصب واللامبالاة والخوف، كلها بحسب رؤيته كانت تشكل أمراضاً لا يكفي معها العلاج السريري، فهي تحتاج الى ما هو أبعد من ذلك، تحتاج الى ثقافة قادرة على إيقاظ الحس الإنساني وإعادة بناء الوعي.
لهذا اختار «لو شون» ترك دراسة الطب ووضع المشرط الطبي وحمل القلم، فقد رأى في الأدب أداة لإعادة بناء الوعي، وأن الكلمة الجيدة قادرة على فتح نافذة في عقل مغلق، وقادرة على أن تدفع قارئاً إلى مراجعة أفكاره ومواقفه، مدركاً أن ما قد يفعله الكاتب أو الشاعر أو الفنان في أعماق الإنسان ربما يكون أكثر تأثيراً من أي علاج.
وهكذا بدأت رحلة أهم أديب صيني في القرن العشرين، وهو يسمى «أبو الأدب الصيني»، ترك الطب واتجه إلى الأدب لأنه رأى أن مرض الأمة الحقيقي ليس في الجسد بل في الروح والوعي، فجعل من القصة القصيرة أداة لمواجهة الجمود الاجتماعي والثقافي، وتعد «يوميات مجنون» أشهر أعماله، وقد أصدر «بيت الحكمة» في الشارقة المجموعة، وهذه اليوميات وغيرها من مؤلفات «لو شون» كان لها أثر بالغ في انطلاق حركة الأدب الصيني الحديث.
قد ننشغل أحياناً في عالمنا العربي بالحديث عن التنمية والبنية التحتية و الاقتصاد، وهي بالطبع ضرورات لا غنى عنها، لكن يجب أن نعي دوماً، أن التنمية الحقيقية لم ولن تنجح من دون بناء الإنسان نفسه، وهنا تتجلى أهمية العمل الثقافي، فالمسرح، والرواية، والسينما، والفنون، هي مشروع طويل لصناعة الوعي، وهي محاولة مستمرة لمساعدة الإنسان على فهم نفسه والعالم بصورة أعمق وأكثر إنسانية.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة