كان نبيل عطية، المهندس الذي يكتب الشعر بالمسطرة والفرجار الوزني والعروضي واللغوي، يأتي إلى رابطة الكتّاب عند الرابعة عصراً أو بعدها بقليل، وغليونه في فمه، ولذا، كان من الصعب أن يتكلم، ثم، زد على ذلك أنه كان أصلاً قليل الكلام، فكان الغليون مثل القفل الذي يغلق فمه، لكنه كان شديد الإصغاء، وأراه أحياناً وهو يضحك. كان مهندساً ناجحاً وبارعاً، وكان بيته يبعد عن الرابطة مسافة عشر دقائق مشياً على الأقدام، وذات يوم عزمنا على الغداء في بيته، وهناك (نزع) الغليون عن فمه، وكثر كلامه، كما كثر ضحكه.
كان نبيل يكتب قصيدة العمود الخليلي، ولم أعرف يوماً أنه كتب قصيدة التفعيلة، أما قصيدة النثر فلم يكتبها قَطّ، وحين كان يسمع شاعر نثر يلقي قصيدة، كان يضع غليونه في فمه.
كافتيريا الرابطة كانت غرفة واحدة، فرن صغير بثلاث عيون (بوتوغاز) تفور عليه القهوة، ويا ليتني الآن أتذكر صانع القهوة ذاك، لكن الرجل كان أقرب إلى عدم القراءة والكتابة، كان فلّاحاً من إحدى قرى رام الله، طيب القلب والروح، وحينما كانت الرابطة تنظم أمسيات شعرية لشعراء شباب في الثمانينات، كان يترك (البوتوغاز) ويقف مذهولاً ومدهوشاً مما يقوله الشعراء، وهم يرفعون أياديهم في لحظة الحماسة القرائية الشعرية، بخاصة شعراء العمود، وكان الرجل يقف ويصغي ويندهش، وذات يوم سألني: «..شو يعني ذهبت إلى البحر، فأكلني الملح»، قلت له: اسأل الشاعر، فقال لي: «مش الأحسن أن يقول ذهبت إلى البحر، فأكلني السمك».
أوّل مرة قرأت فيها في الرابطة كانت في 1984، وقد حضر الأمسية ناهض حتّر، الشاعر والمثقف والجميل أيضاً، وفي الأسبوع التالي، كتب حول الأمسية مقالة قال فيها إن الشاعر الذي قرأت قصائده الأسبوع الماضي تفوح منه رائحة النفط، ثم تمرّ الأيام، ونشرت قصيدتي مجرّة القتلى، ليصبح ناهض من أجمل الأصدقاء، وقد أبدى ندمه على التسرع في الحكم على الشعر.
كانت الثمانينات فترة سيطرة الأيديولوجيا على الشعر، بل، على الأدب عموماً، وآنذاك، كانت بعض التيارات السياسية تسيطر على الرابطة وعلى الصحافة الثقافية، وكانت دكاكين الأحزاب والتنظيمات والأيديولوجيين تبيعنا شعارات سياسية وفكرية لامعة، لكنها كانت كاذبة، وآنذاك، كان الكثير من الشعراء يتاجرون بفلسطين والقضية الفلسطينية للأسف الشديد، وكان كل من يركب على ظهر حزب أو مؤسسة سياسية يجري تلميعه وتنفيخه في الصحافة وفي النقد الأدبي، وفي العلاقات الثقافية العامّة.
كانت الثمانينات، في بعض رجالات الرابطة.. بعضهم وليس كلهم وأؤكد ذلك بمثابة مزرعة لسيطرة السياسة على الثقافة، إلى أن أصبح الشعر اليوم هو الغليون الذي يحرق الكثير من الأكاذيب.
