يؤدي بعض الموظفين في عملهم ما يُطلب منهم بدقة وإتقان، ويرون أن هذا هو المطلوب، وأنه بإتمام ما تم التكليف به تنتهي مهمتهم. وهذا صحيح لا غبار عليه، فالموظف الملتزم بما يُوكل إليه من مهام، ويعطيها الأولوية لإتقانها، يكون قد أنجز المهمة. لكن هناك فرقاً بين ما هو مطلوب وما تم تكليفنا به، وما نبادر لإنجازه.
من يقرر الاكتفاء بأداء ما يُطلب منه لا يخطئ، لكنه قد يفوّت على نفسه فرصاً عديدةً للنمو والتميز، قد لا تأتي إلا مع المبادرات الجديدة. وكما هو معروف، فإن أكثر ما يتعلمه الإنسان لا يأتي من تكرار ما يتقنه، بل من خوضه مهام وأعمالاً جديدة لم يعتد عليها. لذا، من يبقى في دائرة الروتين والقيام بما هو مطلوب، تبقى خبرته عند حد معين، ليس لأنه مقصر، بل لأنه لم يمنح نفسه فرصة الاكتشاف والتطوير. أما من يبادر ويقدم حلولاً وأفكاراً لم تُطلب منه، فإنها في نهاية المطاف تصب في مصلحته، لأنه يوسع خبرته ويكتسب مهارات جديدة. وبطبيعة الحال، ليس القصد تجاوز الحدود الإدارية والصلاحيات، بل أن يبحث ضمن دائرته ووفق مهام وطبيعة عمله، ليخرج من كل تجربة وقد أضاف لها معرفة جديدة.
الموظف الذي يكتفي بما يُطلب منه يبقى على ما هو عليه، وهذا خياره، وقد يرتاح له. لكن يبقى كل مبادر، وكل من يساهم بالأفكار الجديدة والحلول المبتكرة، أكثر تميزاً، وأكثر لفتاً للانتباه، والأهم، أكثر مهنية.
خاصية الموظف المبادر يمكننا جميعاً أن نكتسبها وندرب أنفسنا على القيام بها، كأن تقدم فكرة، أو تتولى مهمة عمل فيها فرصة للتعلم. المطلوب لنكون مبادرين هو النظر لبيئة العمل ليس كأنها قائمة مهام تُنفذ وتنتهي، بل كونها مكاناً للتعلم والتطوير وزيادة المعرفة.
اسأل نفسك عما يضيف إلى خبرتك ومهارتك، وليس عما هو واجب أن تنفذه وتقوم به.
أعتقد أن مسؤولي الإدارات والمديرين معنيون بتنمية الحس الإبداعي لدى موظفيهم وتشجيعهم على المبادرة، ومحاولة الخروج عن الروتين اليومي. إن منح فرق العمل المساحة الكافية للإبداع والمبادرة، بالإضافة للمهام اليومية المعتادة، قد يكون نوعاً من التدريب المهاري على التميز والتفوق، وزيادة الإنتاجية. وفي نهاية المطاف، فإن المستفيد هو الموظف نفسه، لأن هذا سيساهم في زيادة خبرته، ومهارته، وحضوره المهني، ومعها قد تُفتح له أبواب جديدة في مجال الارتقاء الوظيفي.
