عندما حطت طائرة الرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون في مطار بكين يوم 21 فبراير/شباط 1972 واستمرت حتى 28 من ذلك الشهر، ثم اجتماعه إلى الزعيم الصيني آنذاك ماوتسي تونغ، كُتب فصل جديد في العلاقات الأمريكية- الصينية، وفي الموقف من قضية تايوان؛ حيث اعترفت واشنطن بمبدأ «الصين الواحدة»، وقد مثل ذلك تحولاً جيوسياسياً كبيراً، وكانت لحظة أعادت فيها رسم ملامح جديدة لنظام عالمي بدأ يتشكل فيما بعد، ونرى إرهاصاته اليوم.
منذ ذلك التاريخ اعتمدت الصين سياسة «الصبر الاستراتيجي» لاستعادة جزيرة تايوان من منطلق مبدأ «الصين الواحدة»، وبدأت تــعد نفسها لليوم الذي تتمكن فيه من تحقيق هدفها باعـتماد التمهل والانتظار والاستعداد من خلال بناء قوة اقتصادية وعسكرية قادرة على المواجهة بأقل خسائر ممكنة إذا ما تعمدت القوى الدولية الأخرى التدخل إلى جانب تايوان.
اليوم وبعد 54 عاماً على لقاء نيكسون وماو تسي تونغ، يبدو أن الصين تقف أمام لحظة اختبار لقوتها وعزمها على تحقيق هدف «الصين الواحدة» باسترداد تايوان التي تعتبرها مسألة سيادية داخلية غير قابلة للتفاوض، فيما تتزايد دعوات الحزب الحاكم في تايوان لإعلان الانفصال، وتحاول الدول الغربية من جهتها توظيف الأزمة التايوانية في سياق أوسع من التوازنات الاستراتيجية، واحتواء النفوذ الصيني في منطقة الهندي والهادئ، وأيضاً من خلال تقديم الدعم العسكري لتايون.
ومع احتدام التنافس السياسي والعسكري والاقتصادي، بدأت القيادة الصينية على ما يبدو تعيد النظر في «صبرها الاستراتيجي» والتوجه نحو اتخاذ مواقف أكثر حدة وصرامة، تعبيراً عن نفاد صبرها، وتأكيداً على أن الحفاظ على السلم والاستقرار في المنطقة لن يكون على حساب حقوقها السيادية.
لذلك، عمدت في الآونة الأخيرة إلى تصعيد ميداني ملحوظ، حيث تم تكثيف المناورات العسكرية حول تايوان، وعمليات خفر السواحل في المياه الشرقية للجزيرة، وإرسال حاملة الطائرات المتطورة «فوجيان، عبر مضيق تايوان، مع رفع الجاهزية القتالية للقوات الصينية التي طلب منها أن تكون على أهبة الاستعداد. في يوم العاشر من إبريل/نيسان الماضي، استقبل الرئيس الصيني شي جي بينغ زعيمة المعارضة في تايوان، رئيسة حزب «الكومنتانغ» تشنغ لي- وون، وقال لها: «لن نتهاون إطلاقاً في مسألة توحيد الجزيرة»، لتأكيد إصرار بكين على استرداد تايوان، ويوم الأربعاء الماضي بمناسبة الذكرى الـ 105 على تأسيس الحزب الشيوعي الصيني رفع الزعيم الصيني من وتيرة موقف بلاده من تايوان، داعياً إلى «توجيه ضربات حازمة»، ومواجهة قوى الانفصال الساعية إلى استقلال تايوان، مشدداً على رفض أي تدخلات خارجية، معتبراً أن «الصين وتايوان تنتميان إلى أمة واحدة»، وأن بلاده «لن تتراجع عن الدفاع عن سيادتها مهما كانت التحديات».
تدرك الصين مخاطر سوء التقدير الاستراتيجي، لكنها تبني مواقفها استناداً إلى قدراتها وإمكاناتها وفق رؤية واضحة تحقق هدف «الصين الواحدة» بعد استكمال كل الشروط اللازمة لذلك.
في عام 2023 قال المدير العام السابق لـ«السي آي إيه» وليام بيرنز: «إنها مسألة وقت فقط.. نحن نعلم أن الرئيس الصيني شي جي بينغ طلب من الجيش الصيني أن يكون مستعداً في عام 2027 للقيام بهجوم ناجح لاسترداد تايوان».
هل نفد صبر الصين فعلاً؟.