الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

وهم المكانة والانشغال

4 يوليو 2026 00:04 صباحًا | آخر تحديث: 4 يوليو 02:38 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
من العادات الجديدة أو الطارئة عند بعض الناس، تعمد محاولة لفت انتباه الآخرين بأنه منشغل بشكل مستمر، ولديه مسؤوليات جسيمة ومتعددة، لدرجة تحويل الإجابة عن سؤال عابر تقليدي، مثل: «كيف الحال؟»، لإجابة تظهر شكوى مفتعلة، وافتخاراً خفياً. في اللحظة نفسها يعرف المحيطون به، سواء من الأقارب أو زملاء العمل أو نحوهم، المهام والواجبات المناطة به، ويدركون أن لديه متسعاً كبيراً من الوقت، إن لم يكن الوقت كله. ومع هذا قد يكون فعلاً لديه مهام وانشغالات مثل الكثيرين، لكنها ليست للدرجة التي تعوق وتمنع تفاعله الاجتماعي.
هذه الفئة، التي تزعم أنها تعاني من ضيق الوقت، تستخدمه كواجهة اجتماعية غير معلنة، وأعتقد أن الثقافة الاستهلاكية الحديثة ساهمت أو دفعت نحو إعادة صياغة أو تعريف قيمة الإنسان، عندما ربطتها بالمهام اليومية التي تثقل كاهل الفرد، ومعها تحول الهاتف الذي لا يتوقف عن الرنين أو تنبيه الرسائل المتتالية، بمثابة إثبات للانشغال والازدحام، وأنه يهرول من اجتماع لآخر. هذه الحالة كأنها تشبه درعاً اجتماعية، تمنح الفرد شعوراً بالمكانة والأهمية، وأستطيع تسميتها «وهم المكانة».
مثل هذه الممارسة لها وقع وأثر، سواء على مستوى المجتمع أو على مستوى الأسرة، بل لا أبالغ عند القول إنها تؤثر في جودة الحياة. على سبيل المثال، الأفراد في المجتمع، أو رب أسرة، تجده مشتت الذهن ومعه قائمة مهام غير ملحة ولا ضرورية، بل قد تكون دون جدوى، لكنها تستنزف طاقته العصبية والجسدية، مع أن إنتاجيتها صفرية وهمية، ومع هذا يمنحها الوقت والطاقة، والسبب حتى لا يقال إنه غير مشغول وغير منتج.
فعلاً علينا جميعاً الحذر من مثل هذا الانشغال العبثي، الذي نحاول خلاله الانشغال وحسب، بغض النظر عن قيمة المهمة وجدواها، وعلينا تجاوز فكرة أن الانشغال المستمر ضرورة ملحة، وفيها مكانة لصورتنا الاجتماعية، ولنحاول استبدال هذا المفهوم بما هو أعمق وأكثر فائدة وجدوى، من خلال التركيز على العمل المنتج المفيد الذي يحدث فرقاً، مهما شعرنا بأنه غير كافٍ. ليس من الحكمة لتحسين الصورة أمام الآخرين تحميل النفس أعباء ومسؤوليات دون إنتاجية، بل إن هذا التوجه ينم عن سطحية في التفكير. ولنتذكر أن سعادتنا وجودة حياتنا لا يمكن قياسهما من خلال نظرة الآخرين وإعجابهم ومدحهم، بقدر الحاجة للعمق والسكينة، والوعي بأن الإنتاجية الحقيقية هي التي تترك أثراً ولو قليلاً.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة