اعتاد التاريخ أن يعلن ولادة الأنظمة الدولية الجديدة بعد انتصار قوة كبرى تفرض رؤيتها على العالم. فمنذ الحروب النابليونية، مروراً بالحربين العالميتين، ووصولاً إلى نهاية الحرب الباردة، كانت موازين القوى تُحسم في ميادين القتال، ثم تُترجم إلى نظام دولي جديد يكتبه المنتصر، بينما يتكيف المهزوم مع واقع لم يشارك في صياغته.
لكن العالم اليوم يبدو أمام لحظة تاريخية مختلفة. فالحرب في أوكرانيا، والتنافس الاستراتيجي بين الولايات المتحدة والصين، والتوترات الممتدة في الشرق الأوسط، لم تُنتج حتى الآن قوة قادرة على فرض نظام عالمي جديد، بقدر ما كشفت عن حقيقة أخرى، وهي أن القوى الكبرى جميعها تتحمل كلفة متزايدة لاستمرار الصراع.
فالولايات المتحدة ما زالت القوة الدولية الأولى، لكنها تواجه التزامات أمنية واستراتيجية تمتد من أوروبا إلى المحيطين الهندي والهادئ مروراً بالشرق الأوسط. وروسيا، رغم احتفاظها بقدراتها العسكرية، دفعت ثمناً باهظاً نتيجة الحرب والعقوبات. أما الصين، فتخوض منافسة اقتصادية وتكنولوجية معقدة في بيئة دولية أكثر صعوبة مما كانت عليه قبل سنوات، بينما بدأت أوروبا تعيد بناء مقومات استقلالها الدفاعي والاقتصادي.
ولا يعني ذلك أن هذه القوى فقدت عناصر قوتها أو دخلت مرحلة الانهيار، بل إن كلاً منها ما زال يمتلك من القدرات ما يجعله لاعباً رئيسياً في النظام الدولي. غير أن الحقيقة التي تفرض نفسها اليوم هي أن كلفة الصراع المستمر ارتفعت إلى مستوى قد يجعل الجميع يبحث عن ترتيبات أكثر استقراراً وأقل كلفة وأكثر جدوى من استمرار الاستنزاف.
وهنا يكمن، في تقديري، التحول الأهم في العلاقات الدولية.وليس المقصود بذلك نهاية المنافسة بين القوى الكبرى، فالتنافس سيظل جزءاً من طبيعة السياسة الدولية، وإنما انتقاله من صراع مفتوح يستهلك الجميع إلى توازن منظم يحافظ على المصالح الحيوية لكل طرف، ويقلل في الوقت نفسه من احتمالات المواجهة الشاملة.
وبذلك، فإن العالم لا ينتقل من الصراع إلى السلام، بل ينتقل من إدارة الصراع إلى إدارة التوازن.
ومن المرجح أن يقود هذا التحول إلى تفاهمات، صريحة أو ضمنية، تعيد تنظيم مناطق النفوذ والمصالح، وتضع قواعد جديدة لإدارة المنافسة بين القوى الكبرى، ليس بدافع المصالحة، وإنما انطلاقاً من إدراك مشترك بأن استمرار الاستنزاف لم يعد يحقق مكاسب تتناسب مع كلفته.
ومن الطبيعي أن يكون الشرق الأوسط في صلب هذه التحولات. فالمنطقة ليست مجرد مصدر للطاقة، بل تمثل عقدة استراتيجية تربط بين الخليج العربي والبحر الأحمر وشرق البحر المتوسط والمحيط الهندي، وتتحكم في ممرات بحرية يعتمد عليها الاقتصاد العالمي. ولذلك، فإن أي إعادة تنظيم للنظام الدولي ستنعكس بصورة مباشرة على الترتيبات الأمنية في هذه المنطقة.
وفي هذا الإطار، يبدو من المرجح أن تحرص الولايات المتحدة على الإبقاء على نفوذها الاستراتيجي في الخليج، وإن اختلفت أدوات هذا النفوذ. فقد يستمر الوجود العسكري المباشر في بعض المواقع، أو يتزايد الاعتماد على القواعد العسكرية، والشراكات الدفاعية، والتعاون التقني والاستخباراتي، أو تتطور ترتيبات أمنية إقليمية تتولى فيها دول المنطقة أدواراً أكبر، مع استمرار الارتباط الوثيق بالولايات المتحدة بوصفها الضامن الرئيسي لأمن الممرات البحرية واستقرار أسواق الطاقة.
وفي الوقت نفسه، قد تفرض تلك التحولات الدولية إعادة النظر في شكل النظام الإقليمي نفسه. فالأطر التي نشأت في ظروف تاريخية مختلفة قد لا تناسب المرحلة الحالية، كما أن تطورات الأحداث الأخيرة أفرزت تباينات عميقة بين الدول، وكشفت عن شروخ في النظام الإقليمي، مما يفتح الباب أمام صيغ تعاون أوسع تضم الدول الأكثر أهمية وتأثيراً في أمن المنطقة واستقرارها، لأن التحولات الكبرى في النظام الدولي كثيراً ما يصاحبها تطور في البنى الإقليمية التي تنظم العلاقات بين الدول.
غير أن نجاح أي منظومة إقليمية جديدة لا يتوقف على إعادة ترتيب الهياكل والمؤسسات وحدها، بل يعتمد قبل ذلك على إعادة بناء الثقة بين الشركاء. وقد برزت في الآونة الأخيرة أصوات خليجية تدعو إلى مراجعة بعض السياسات السابقة، والاعتراف بالأخطاء التي أفضت إلى توترات داخل البيت الخليجي، بل إن بعضها طالب بالاعتذار للحلفاء الذين تضرروا من تلك السياسات. ورغم أهمية ثقافة المراجعة والاعتراف بالخطأ، فإن ذلك وحده لا يكفي. فالقضية ليست مجرد خطأ في التقدير السياسي، وإنما تتعلق – في بعض التجارب – بالنهج الذي تُدار به العلاقات والتحالفات. فعندما تُقدَّم الحسابات التكتيكية والمصالح الآنيّة على الثقة والشراكة طويلة المدى، تصبح العلاقات أكثر هشاشة، ويفقد الحلفاء شعورهم بالاطمئنان إلى ثبات المواقف.
عندما تصبح كلفة الصراع أعلى من كلفة التوازن، فإن إعادة تنظيم النظام الدولي لن تكون مجرد خيار سياسي، بل ستغدو ضرورة تفرضها موازين القوة ومصالح الدول نفسها. وربما يكون هذا هو العنوان الحقيقي للمرحلة القادمة: عصر إدارة التوازن، لا عصر حسم الصراعات.
