الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

الخليج.. والنظام العالمي الجديد

27 يونيو 2026 00:01 صباحًا | آخر تحديث: 27 يونيو 00:01 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
تمر منطقة الخليج والشرق الأوسط اليوم بواحدة من أهم اللحظات التاريخية منذ نهاية الحرب الباردة. فالأحداث المتسارعة التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة ليست مجرد أزمات عابرة أو مواجهات مؤقتة، بل تبدو جزءاً من عملية أوسع لإعادة تشكيل النظام الإقليمي والدولي معاً.
لقد اعتادت منطقتنا أن تكون ساحة تتقاطع فيها مصالح القوى الكبرى، لكن العالم اليوم يشهد تحولاً مختلفاً. فالنظام الدولي الذي حكم العلاقات بين الدول لعقود طويلة يمر بمرحلة مراجعة وإعادة بناء، تتداخل فيها اعتبارات الأمن والطاقة والتكنولوجيا والاقتصاد بصورة غير مسبوقة.
وفي مثل هذه اللحظات التاريخية لا يكفي أن نسأل: ماذا سيحدث؟ بل يجب أن نسأل: ما الإقليم الذي نريده؟ وما المكان الذي ينبغي أن تشغله دول الخليج في النظام العالمي الجديد؟
لم يعد العالم أحادي القطبية كما كان في العقود الماضية، كما أنه لم يصل بعد إلى صيغة نهائية مستقرة متعددة الأقطاب. فالولايات المتحدة تسعى للحفاظ على مكانتها العالمية، والصين تواصل صعودها الاقتصادي والتكنولوجي، وروسيا تحاول تثبيت دورها الإستراتيجي، فيما تسعى أوروبا إلى حماية مصالحها وأمنها الاقتصادي.
وفي خضم هذه التحولات، تجري عملية إعادة توزيع للأدوار والنفوذ والمصالح على مستوى العالم. ومن الخطأ الاعتقاد أن هذه الترتيبات ستقتصر آثارها على العواصم الكبرى. فموقع الخليج الإستراتيجي وثقله الاقتصادي يجعلان منه جزءاً أساسياً من أي معادلة دولية جديدة.
خلال العقود الماضية كان يُنظر إلى الخليج باعتباره مصدراً رئيسياً للطاقة، أما اليوم فقد أصبح أكثر من ذلك بكثير. فهو مركز عالمي للاستثمار والتمويل، ومحور رئيسي للتجارة الدولية، وجسر يربط آسيا بأوروبا وإفريقيا، ومختبر متقدم للتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي والطاقة المستقبلية.
هذه المكانة الجديدة تفرض على دول الخليج دوراً مختلفاً، فالمطلوب لم يعد الاكتفاء بالتكيف مع التحولات الدولية، بل المشاركة في صياغتها والتأثير في مساراتها بما يحفظ مصالح المنطقة ويعزز استقرارها.
السؤال الأهم ليس شكل التفاهمات بين القوى الكبرى، بل شكل الإقليم الذي نطمح إلى بنائه في ظل هذه التفاهمات. إن الإقليم الذي تحتاجه شعوب المنطقة هو إقليم يقوم على احترام سيادة الدول، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وتسوية الخلافات بالحوار، وتغليب المصالح المشتركة على الصراعات العقائدية والأيديولوجية. إقليم تُوجَّه فيه الموارد إلى التنمية والتعليم والبحث العلمي والتكنولوجيا، بدلاً من استنزافها في النزاعات والحروب. إقليم يرى في الجغرافيا فرصة للتعاون والتكامل الاقتصادي، لا سبباً دائماً للتوتر والانقسام.
لقد دفعت المنطقة ثمناً باهظاً خلال العقود الماضية بسبب محاولات الهيمنة وفرض الإرادات، سواء جاءت من الداخل أو الخارج، وتحت عناوين وشعارات متعددة. وأثبتت التجربة أن الأمن الحقيقي لا يُبنى على التخويف، ولا على التهديد، ولا على فرض النفوذ بالقوة، بل على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة.
ومن هنا فإن أي نظام إقليمي جديد يجب أن يقوم على قاعدة واضحة: لا وصاية لأحد على أحد، ولا حق لأي دولة أو قوة في فرض خياراتها على جيرانها مهما كانت المبررات.
ففي القرن الحادي والعشرين لم تعد القوة الحقيقية هي القدرة على إخافة الآخرين، بل القدرة على بناء نموذج ناجح يجعل الآخرين يرغبون في التعاون معه.
إن استقرار المنطقة لا يتحقق بإقصاء أي دولة رئيسية فيها، كما لا يتحقق عبر استمرار سياسات الصدام والاستنزاف.
فالمنطقة بحاجة إلى علاقة جديدة مع إيران تقوم على احترام سيادة الدول، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، والالتزام بقواعد الأمن الإقليمي المشترك.
ربما يكون أهم درس قدمته العقود الماضية هو أن الأمم لا تتقدم بالشعارات، بل بالإنجاز. فالدول التي حققت النجاح الأكبر لم تكن تلك التي خاضت أكبر عدد من الصراعات، بل تلك التي ركزت على الإنسان، والتعليم، والاقتصاد، والابتكار، وبناء المؤسسات.
ولذلك فإن المرحلة القادمة يجب أن تكون مرحلة انتقال تاريخي من منطق الصراع إلى منطق التنمية، ومن التنافس على النفوذ إلى التنافس على المعرفة والإنتاج والازدهار.
إن شعوب الخليج والشرق الأوسط لا تحتاج إلى انتصار طرف على طرف، بقدر حاجتها إلى انتصار فكرة الدولة على الفوضى، والتنمية على الصراع، والتعاون على الهيمنة. فالعالم يقف أمام مرحلة جديدة، والمنطقة أمام فرصة تاريخية نادرة.
وإذا كانت حروب الماضي قد استنزفت طاقات الشعوب وأخرت مسيرتها، فإن المستقبل يجب أن يكون مشروعاً لبناء الإنسان وإطلاق قدراته وتحويل المنطقة إلى واحدة من أهم مراكز النمو والازدهار في العالم.
ذلك هو الإقليم الذي نريده، وذلك هو الدور الذي ينبغي أن نشارك من أجله في صياغة النظام العالمي الجديد: شركاء في البناء، لا متفرجين على ما يبنيه الآخرون.

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة