بعد آلاف السنين من التحولات والصراع مع الطبيعة والجهل والمرض والفقر، نجح الإنسان في تحقيق ما كان يبدو مستحيلاً في نظر الأجيال السابقة. فقد امتدت الأعمار، وتقدمت العلوم، وتطورت وسائل الاتصال، وتقلصت المسافات، وتحول العالم إلى فضاء إنساني واحد تتشارك شعوبه المعرفة والتقنية والمصير.
لقد ولد في عصرنا مع هذه التحولات ما يمكن تسميته بـ«الإنسان الكوني»، الإنسان الواعي الذي تجاوز حدود الجغرافيا الضيقة، وأصبح جزءاً من منظومة عالمية مترابطة. وهو بلا شك أعظم منجز حضاري وصلت إليه البشرية منذ بداية التاريخ. فالإنسان الكوني الذي نتحدث عنه ليس إنسان الغرب أو الشرق، ولا المسلم أو غير المسلم، بل الإنسان الذي وصل إليه التاريخ الإنساني كله بعد آلاف السنين من التجارب والمعارف والتراكمات الحضارية.
لكن وسط هذا النجاح الهائل يبرز سؤال أكثر أهمية من كل الإنجازات المادية:
هل اكتمل بناء الإنسان فعلاً؟
* أزمة العصر ليست أزمة علم
كثيراً ما يُنظر إلى أزمات العالم باعتبارها أزمات سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية، لكن جذورها أعمق من ذلك بكثير. فالبشرية لم تعانِ يوماً من نقص في المعرفة كما تعاني اليوم من نقص في الحكمة. ولم تكن المشكلة في ضعف القوة، بل في كيفية استخدامها.
لقد نجح الإنسان في تطوير أدواته بوتيرة مذهلة، لكنه لم ينجح دائماً في تطوير ذاته بالوتيرة نفسها. فأصبحت قدراته أكبر من نضجه، وأصبحت قوته أوسع من حكمته.
ومن هنا نشأت مفارقة العصر الكبرى: التقدم المادي يتسارع، بينما تتزايد مشاعر القلق والاغتراب وفقدان المعنى والصراعات بأشكالها المختلفة.
* اختلال التوازن... أصل المعضلة
إن رحلة البشرية لم تكن في جوهرها رحلة لبناء المدن أو اختراع الآلات أو اكتشاف القارات فحسب، بل كانت قبل كل شيء رحلة لبناء الإنسان.
وإذا كان القرن الماضي قد شهد انتصار العقل على كثير من قيود الطبيعة، فإن التحدي الأكبر للقرن الحادي والعشرين هو أن ينتصر الإنسان على نوازع الشر والأنانية والخوف والكراهية في داخله.
ليست المشكلة في العقل، بل في انفصاله عن الروح. وليست المشكلة في الحرية، بل في انفصالها عن المسؤولية. وليست المشكلة في القوة، بل في ابتعادها عن الحكمة.
فعندما يختل التوازن بين هذه العناصر، يبدأ الخلل في حياة الفرد أولاً، ثم يمتد إلى الأسرة والمجتمع والدولة والعالم.
ولهذا فإن كثيراً من الحروب والنزاعات والظواهر السلبية التي عرفتها البشرية لم تكن في جوهرها سوى انعكاس لاختلالات داخلية في النفس الإنسانية.
إن العالم ليس سوى صورة مكبرة للإنسان الذي صنعه.
* حلم مشترك بين الأنبياء والحكماء
من اللافت أن البشرية، على اختلاف حضاراتها وأديانها وفلسفاتها، ظلت تبحث عن الهدف نفسه. فالأنبياء سعوا إلى تزكية الإنسان وتهذيب روحه واستقامة سلوكه.والحكماء والفلاسفة سعوا إلى ترشيد سلوكه بترسيخ المبادئ والقيم والحكمة. والمفكرون المعاصرون ما زالوا يبحثون عن المعنى الذي يمنح الحياة توازنها واستقرارها.
ورغم اختلاف الطرق والمناهج، فإن الغاية بقيت واحدة: بناء إنسان أكثر توازناً وقدرة على العيش في انسجام مع نفسه ومع الكون ومع الآخرين.
* إصلاح العالم يبدأ من إصلاح الإنسان
فإذا تأملنا النقاش العالمي اليوم، نجد أن الحديث عن أزمة المعنى أو الفجوة الروحية لم يعد مقتصراً على رجال الدين أو المفكرين الدينيين، بل أصبح حاضراً لدى علماء النفس والفلاسفة وعلماء الاجتماع وقادة الأديان المختلفة.
ربما أخطأت البشرية أحياناً حين ظنت أن إصلاح العالم يبدأ من الخارج.
فالتاريخ يعلمنا أن القوانين وحدها لا تصنع العدالة، وأن التكنولوجيا وحدها لا تصنع السعادة، وأن الثروة وحدها لا تصنع الطمأنينة.
إن نقطة البداية الحقيقية كانت وستظل الإنسان نفسه. فالإنسان المتوازن ينتج أسرة متوازنة، والأسرة المتوازنة تنتج مجتمعاً متوازناً، والمجتمع المتوازن يصنع عالماً أكثر أمناً واستقراراً وازدهاراً.
ولهذا فإن السؤال الأهم في القرن الحادي والعشرين ليس: كيف نصنع أدوات أكثر تطوراً؟بل: كيف نصنع إنساناً أكثر توازناً؟
* حين يقترب الإنسان من التوازن
إن مستقبل البشرية لا يتوقف على ما تستطيع أن تبنيه من آلات أكثر ذكاءً، أو أنظمة أكثر تعقيداً، أو أدوات أكثر قوة، بل على ما تستطيع أن تنجزه في إحياء الجانب الروحي في الإنسان وجعله أكثر توازناً وحكمة.
حين يقترب الإنسان من التوازن بين العقل والروح، وبين الحرية والمسؤولية، وبين القوة والحكمة، يقترب العالم معه من الحياة التي أرادها الله للإنسان ومن السلام الذي سعى إليه الأنبياء، ونادى به الحكماء، وتطلعت إليه الإنسانية عبر تاريخها الطويل. فالعالم الذي نحلم به يبدأ من الإنسان الذي نريد أن نكونه.
