عبر سنوات طويلة وتراكمات أحدثتها أجيال متعاقبة، ظلت الرواية الإفريقية تتحرك بقوة من الهامش إلى مركز السرد العالمي، إذ باتت اليوم تحتل مكانة رفيعة وموقعاً مميزاً. وعلى الرغم من تعدد الأغراض والقضايا التي تصدت لها الحكاية الإفريقية في رحلتها من المشافهة إلى الكتابة واكتساب تقنيات حديثة، إلا أن السحر الخاص الذي ظل يلازمها هو الأسطورة والغرائبية .
هذا السحر الذي يتجول بين تفاصيل وأحداث الرواية الإفريقية القديمة والحديثة، نابعٌ من الواقع الإفريقي نفسه، من المكان العجائبي الذي ظل على الدوام يرتبط بالطبيعة والحياة البرية العارية، ومن هيمنة المعتقدات القديمة وسطوة الأساطير، من المرويات والحكايات بين الناس وتناقلها بعفوية شديدة، لتتطور بعدها إلى روايات تغزو العالم. فالكتّاب الأفارقة وجدوا موروثاً قوياً من تلك القصص ينقله الأجداد إلى الأبناء كما يسري الدم في العروق، لذلك ظل الارتباط بها عظيماً حتى عندما بدأت تلوح في أفق القارة سحب الحداثة والانتقال إلى مرافئ الحضارة، فذلك الأمر لم يغير كثيراً من واقع انتماء الكاتب الإفريقي إلى ذلك الواقع.
الأجداد الذين يغيبون جسداً ويحضرون روحاً يحملون الحكمة، والحيوانات والكائنات التي تتواصل مع البشر، والطبيعة التي تلعب الدور الأساسي في خيارات الناس، والماورائيات التي شكلت وجدانهم، كلها ثيمات الرواية الإفريقية، وما زالت كذلك حتى الآن. ولئن كان ذلك الاتجاه السحري والأسطوري قد برز بقوة في كتابات الأجيال القديمة من أمثال: تشينوا أتشيبي، ووول سوينكا، ونغوجي وا ثيونغو، وألان باتون، فإن أجيالاً جديدة تحمل ذات الراية من السرد الساحر.
ولعل من أبرز تلك الأصوات التي حملت رواياتها سحر الأسطورة: الكاتبة النيجيرية الأكثر توهجاً وعطاءً تشيماماندا أديتشي، والسنغاليان محمد مبوغار سار وديفيد ديوب، والأنغولي أوندياكي، وغيرهم ممن جعلوا من الرواية نبضَ هويّةٍ قاومت الفناء والتهميش.
ولئن بدأت معظم الروايات الإفريقية القديمة بقصص أسطورية خالصة، فإن الرواية الحديثة التي أشرقت مع جيل وول سوينكا، قد عملت على توظيف سحر السرد في خدمة الرؤية الفكرية التي يعالجها العمل، مثل قضايا الاستعمار والكولونيالية، وما بعد الاستعمار، وتفكيك وتصفية الاستعمار. أما الأجيال الحالية التي شقت معها الرواية دروباً جديدةً، من جيل تشيماماندا نغوزي، فقد وظفت الأسطورة بشكل مغاير وفريد، بحيث تصدت لقضايا النسوية، والهجرة، والمتغيرات.
الأسطورة في واقع المجتمعات الإفريقية ليست خرافة ماضوية، إذ يتعزز حضورها من كونها جزءاً من الحياة اليومية، ويُعاد إنتاجها داخل الأدب بقوة الخيال وتوظيف الرموز، ما يجعل الماضي يعيش في قلب الحاضر والمستقبل.
