ما إن أُعلن عن اختيار اسم نيمار ضمن تشكيلة المنتخب البرازيلي «السيليساو» المشارِكة في كأس العالم لهذا العام، حتى انطلقت صرخات الفرح الصاخبة من قبل الجمهور؛ إذ لم يتوقع الكثيرون أن يلجأ المدرب الإيطالي كارلو أنشيلوتي إلى هذا الاختيار، خاصة أن اللاعب تقدم في العمر وتراجع مستواه بعض الشيء، كما أن هناك لاعبين أصغر سناً وأكثر جاهزية، فما هو السر؟
في الواقع، لم تعد كرة القدم في البرازيل مجرد لعبة، فهي ثقافة، وأسلوب حياة، ولها تقاطعات عميقة مع الهوية، وتداخلات مع الفن والموسيقى والرقص؛ فالبعض يرى أن هذا الاختيار هو استجابة لما يعرف بفلسفة «الجينجا»، وهي الروح والمراوغة الساحرة التي تعتمد على حركات الجسم المفاجئة والخادعة. ويعتبر نيمار واحداً من أفضل اللاعبين البرازيليين الذين يمتلكون قدرات استثنائية في المراوغة، إلى جانب من سبقه من أسماء كبيرة مثل: بيليه، وسقراط، ورونالدو، وروماريو، ورونالدينيو، وغيرهم من النجوم الكبار؛ لذلك، فإن اختياره هو انحياز لتلك التقاليد العريقة التي عرفت بها الكرة البرازيلية، والتي تعبر عن هوية وطنية أصيلة.
وتعود جذور «الجينجا» إلى رقصة «الكابويرا»، وهي الفن القتالي «الآفرو-برازيلي» الذي استخدمه المستعمرون الأفارقة قديماً كنوع من المقاومة الثقافية والتعبير عن الحرية، ثم تسللت رويداً رويداً إلى عالم كرة القدم بعد إلغاء العبودية.
وفي أوائل القرن العشرين، كان يحظر على اللاعبين ذوي البشرة السمراء الاحتكاك الجسدي باللاعبين البيض، فاستخدموا «الجينجا» للمراوغة وتفادي المدافعين تماماً دون لمسهم. وحاول بعض المدربين الأوروبيين قديماً محو هذا الأسلوب وفرض الانضباط التكتيكي الجاف، لكن الأسطورة «بيليه» في كأس العالم 1958 أعاد إحياء «الجينجا»، وأثبت للعالم أن هذا الأسلوب الفطري هو سر التتويج بالذهب، لتصبح «الجينجا» منذ ذلك الحين الركيزة الأساسية لـ «كرة القدم الجميلة» (Joga Bonito).
والواقع أن الجماهير البرازيلية قد عانت طويلاً جراء غياب المتعة والارتجال الحركي في أسلوب الجيل الحالي، الذي غلبت عليه الصبغة التكتيكية الأوروبية الجافة؛ أي «الأوربة» (تفضيل النظام والخطط الصارمة)، مما أفقد الفريق سحره التاريخي. ولا شك في أن أنشيلوتي قد استوعب هذا الأمر جيداً؛ فلا سبيل لاستعادة البريق إلا بالعودة إلى «الجينجا»، التي لم تعد مجرد حركة رياضية، بقدر ما هي «الشيفرة الثقافية» التي تلخص تاريخ المقاومة، والاندماج العرقي، والروح القومية للبرازيل؛ فمن خلالها، أصبحت كرة القدم المساحة الأولى التي تذوب فيها الفوارق الطبقية والعرقية، لتتحول من «لعبة النخبة البيضاء» إلى «اللعبة الشعبية الأولى» التي تعرف الهوية البرازيلية أمام العالم.
