كانت الأخطاء تشيخ وتموت أو تتوارى في طبقات النسيان أما اليوم فمن السهل استعادة عبث المراهقة وسقطات الحياة التي لن يدفنها التراب.
إن ما لا يدركه الكثير أن التقنية الحديثة تكتب سيرنا الذاتية، ومن يعتقدون أنهم يصنعون لحظات من الترفيه ستذوب في زحام المحتوى المتدفق هم في الحقيقة يؤلفون حياتهم التي ستسبقهم إلى كل إنسان لم يلتقِ بهم بعد.
لم يعد الإنسان يعيش داخل صورته عن نفسه بل تلك التي يصنعها الآخرون عنه حتى يصبح من الصعب التمييز بين ما كان أصلاً وما أضيف إليه. وما ينشره أحدهم اليوم طلباً للضحك وسعياً وراء التصفيق وإعجاب جمهور عابر يتحول غداً إلى العدسة الوحيدة التي ينظر الناس من خلالها إليه.
وليس ثمة ما يدعو إلى الأسى أكثر من إنسان يظن أنه يضحك الآخرين معه بينما هو يضحكهم عليه، حتى إذا كبر أو نضجت رؤيته للحياة وجد أن صورته القديمة تحكم عليه قبل أن يتحدث.
ومن المؤلم أن يشعر بندم لا يمكن محوه، فالإنسان يستطيع أن يعتذر عن كلمة قيلت أو يصلح خطأً ارتكبه في حق شخص، لكنه يعجز عن مصالحة ذاكرة جماعية أو استرداد مقطع شاهده الملايين وأصبح جزءاً من تاريخ لا يملكه وحده. وقد يأتي عليه يوم يتمنى فيه أن يعود إلى تلك اللحظة الأولى ليمنع نفسه من ذلك لكن ذلك بات مستحيلاً، فالأثر صار مستقلاً عن صاحبه.
إننا جميعاً بحاجة إلى من يستعير لنا عين المستقبل، فالحاضر مخادع يمنحنا التصفيق الفوري والشعور الزائف بالأهمية لكنه لا يخبرنا ماذا سيبقى حين ينطفئ وهج اللحظة. وهنا تحديداً تظهر قيمة الأدب والدراما، فهما ليسا مجرد أدوات للترفيه بل مختبران للمصائر الممكنة.
ولعل الدور الأسمى للفن أن يجعل الإنسان يشعر بعواقب أفعاله قبل أن يدفع ثمنها، وأن يبكي على خسارة متخيلة كي لا يبكي لاحقاً على خسارة حقيقية. فكم من بطل مأساوي لم يكن شريراً بل فقط عجز عن رؤية ما سيؤول إليه الطريق الذي اختاره.
إن كل ما يكتبه الإنسان اليوم أو يصوره أو يشاركه ليس مادة للاستهلاك الآني فقط، بل سطر في كتاب سيقرؤه الغرباء قبل الأصدقاء.
ولهذا، قد تكون أصدق أشكال المحبة أن نقف بين إنسان وبين الصفحة التي يوشك أن يضيفها إلى كتاب حياته، وأن نسأله بهدوء: هل تريد حقاً أن تكون هذه جزءاً من سيرتك؟ وهل ستظل قادراً على قراءتها بصوت مرتفع بعد عشرين عاماً؟
