الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

نحو تصالح ثقافي عربي

8 يوليو 2026 00:28 صباحًا | آخر تحديث: 8 يوليو 00:28 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
تلهمنا الخبرة التاريخية، أن الفكر كلما ازداد جموحاً ونمت نزعته الصدامية كان فشله أكثر احتمالاً، وتراجعه أكثر عمقاً، يفسر لنا ذلك الإلهام لماذا فشلت الموجتان الفكريتان الكبريان، اللتين تحولتا إلى ما يشبه إيديولوجيتين متنافستين، حفزتا السياسة العربية طيلة القرن الماضي، سواء من موقع السلطة أو حتى من موقع المعارضة، وهما القومية العربية والإسلام السياسي.
لقد فشل التيار القومي العربي في ترسيخ جذوره رغم كثافة حضوره في الوعي العربي لنحو نصف القرن بين نهاية الربع الأول، وبداية الربع الأخير من القرن العشرين، وضمن أسباب متعددة لهذا الفشل، كان أكثرها أهمية أنه حوَّل العروبة من هوية ثقافية إلى إيديولوجية سياسية مقتحمة، على نحو فجّر الاشتباك المعروف بين النظم التقدمية والنظم الأخرى، والذي بلغ نقطة ذروته بين مصر واليمن حيث جرت وقائع الصدام الذي استنزف الجيش المصري على مدى خمس سنوات، الأمر الذي فتح الباب أمام هزيمة الخامس من يونيو (حزيران) التي قطعت بدورها مسار التحديث للمشروع الناصري، وألقت بظلالها على كل جوانب الحياة المصرية، إلى درجة لم يفلح نصر أكتوبر (تشرين الأول) 1973 في تجاوزها كلية، بل إن الانشقاقات داخل المعسكر التقدمي نفسه لم تتوقف سواء بين مصر وسوريا أعقاب الوحدة القصيرة، أو بين البعث السوري من ناحية والعراقي من ناحية أخرى، أو بين مصر وعموم الجمهوريات العربية التقدمية نفسها، التي رفضت معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل في 1979م، وهو ما أحدث قطيعة سياسية بين مصر وجل الدول العربية استمرت زهاء السنوات العشر.
وفي المقابل فشل تيار الإسلام السياسي الذي تصاعد بقوة في مصر ثم في عموم المنطقة، أعقاب هزيمة يونيو، زاعماً أنه إذا كانت القومية العربية بحمولاتها الإيديولوجية وتوجهاتها اليسارية، فشلت في حمل عبء تطور المنطقة، فإن الأيديولوجية الإسلاموية هي الأقدر على قيادتها، ومن ثم لم يتوقف ادعاؤها عبر العقود الثلاث الأخيرة من القرن العشرين والأول من الحادي والعشرين بأنها الوريث الطبيعي للفكرة القومية، والأقدر على ملء الفراغ الذي تركته، والحق أن جل التكوينات التي شكلها الإسلام السياسي ظلت في موقع المعارضة طيلة الوقت، ولم تتح لها فرصة الوصول إلى السلطة إلا في حالات استثنائية قبل الربيع العربي العاصف، وفي حالات قليلة ولفترات قصيرة فيما بعده، خصوصاً في مصر وتونس، لكن المفارقة أن حضورها قد خفت سريعاً بفعل حالة الانكشاف التي تعرضت لها على صعيدين أساسيين: أولهما هو غياب الكفاءة السياسية، حيث تبدت الفجوة ساحقة بين أدوات المعارضة السياسية والتي تدور في فلك الخطاب الاستعراضي، والمزايدة السياسية على النظم الحاكمة، وبين ممارسة السلطة نفسها بما تتطلبه من برامج واقعية خبرات عملية وإنجازات ملموسة، تبرر شرعية الوجود والاستمرار، وثانيهما هو ضعف الجدارة الأخلاقية، حيث نظر عوام الناس إلى جماعات الإسلام السياسي بألوانها المختلفة على أنهم أخلاقيون بما أنهم متدينون، وطيلة وجودهم في المعارضة لم تدخل تلك التصورات في امتحانات عملية، بل إنهم استخدموها في مزايداتهم الأخلاقية على السلطة القائمة، لكن مع وجودهم في سدة الحكم باتت مواقفهم معرضة للشمس الساطعة واختباراتها الحارقة، وهنا كشفت طبيعة تحالفات تلك الجماعات، وحجم مناوراتها وأنماط سلوكها البرغماتي عن أخلاقيات عادية في الحد الأدنى، انتهازية في الحد الأقصى، لا تتسق في ذهن عموم الجماهير عن المثاليات الأخلاقية الإسلامية، الأمر الذي أفضى إلى تراجع عميق في شعبيتهم وتالياً في كثافة حضورهم.
والحقيقة أن التشابه العام بين موجتي الانتشار الأيديولوجي: القومية العربية، والإسلام السياسي، لا ينفي التناقض العميق بينهما، سواء في الأساس الثقافي لهما، أو في طبيعة تحالفاتهما داخل الإقليم، ومع مراكز النفوذ العالمية، فمركزية الحس الوطني، وعمق التوجه الإنساني، وحداثة القيم الثقافية تبدو أكثر عمقاً وحضوراً في ظل الموجة القومية قياساً إلى نظيرتها الإسلامية، لكن، ورغم ذلك، يبقى المغزى واحداً وهو أن الجموح نحو الأدلجة، والتعالي على واقع الدولة الوطنية، قادهما إلى الصدام معها، وأفضى إلى تراجع كلتيهما.
إذ تحتاج مجتمعاتنا العربية، في تلك اللحظة التاريخية العصيبة، إلى التصالح مع نفسها، فلابد من مصالحة بين المرجعيتين: القومية والإسلامية، لن تكون ممكنة، ناهيك عن أن تكون مؤثرة، إلا إذا تخلت كل منهما عن ضيق أفقها، وهنا يتعين على المرجعية القومية التخلي عن المكون الإيديولوجي الذي جعلها فكرة مشاكسة، ومشروعاً اقتحامياً، من دون إغفال لأهمية الترابط الجوهري بين العروبة الثقافية والعروبة السياسية، وما يفرضه ذلك من التزامات متبادلة، وفي المقابل يتعين على المرجعية الإسلامية التنازل عن مشروعها السياسي، وانغلاقها المذهبي، لصالح إسلام حضاري متمدن، يقبل بالتعددية المذهبية، ويتصالح مع معمار الدولة الوطنية، ومن ثم يتشكل أساس ثقافي صلب يمكن أن يبنى عليه تضامن سياسي فعال، يتيح بناء نظام أمن إقليمي للمشرق العربي الإسلامي، يحفظ للمنطقة مناعتها الاستراتيجية وهويتها الحضارية.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة