في نهاية يوم طويل، يشعر بعض الناس بأنهم لم ينجزوا شيئاً يذكر، رغم أنهم كانوا منشغلين طوال الوقت. والسبب غالباً أن ما أنجزوه تفرّق وتوزع بين مهام صغيرة كثيرة، مرت دون أن تأخذ مكاناً في الذاكرة، ويبقى في الذهن الإحساس بالتعب دون صورة واضحة عما تحقق. هذا الشعور المتكرر بأن الجهد يضيع دون نتيجة قد يحبط الإنسان مع الوقت.
تدوين ما ينجزه الإنسان، ولو كان بسيطاً، يعالج هذا الخلل. حين يكتب أحدهم خلال يومه ما أتمه، أو يجعل له في عمله جدول مهام واضحاً يحفظ ما تم إنجازه، يرى أمامه دليلاً ملموساً على أنه تقدم، فيتحول الإحساس الغامض بأن اليوم مر بلا فائدة إلى صورة واضحة لما أُنجز. هذه الصورة وحدها تكفي لتُغيّر نظرته إلى جهده، فيشعر بأنه يسير إلى الأمام وليس الشعور بأنه يقف في مكانه.
أثر تدوين المهام لا يقتصر على تحسين الشعور، بل يمتد إلى ما هو أبعد، فالموظف، أو الدارس، أو العامل بصفة عامة، أو غيرهم، بعد مضي عدة أسابيع أو حتى أشهر وعودته إلى ما تم تدوينه، سيرى مقدار ما قطعه من طريق، وهو ما يصعب إدراكه يوماً بيوم، لأن التقدم اليومي بطيء وقد لا يكون ملحوظاً. كما أن مراجعة ما أُنجز تكشف له أين يمضي وقته فعلاً، فقد يجد أنه يبذل جهده في أمور لا تخدم هدفه الأهم، فيعيد ترتيب أولوياته بناءً على ما يراه مكتوباً أمامه، وليس على ما يظنه.
التدوين يعين كذلك على تذكر ما تعلمه من تجاربه. كثير من الدروس المفيدة تمر في العمل ثم تُنسى، ولو تم تدوينها في حينها لعاد إليها عندما يحتاج إليها. وما ينطبق على الإنجازات ينطبق على الأخطاء أيضاً، فتدوينها يجعلنا أقل عرضة لتكرارها، حيث يبقى أمامه ما تعلمه منها مكتوباً وليس متروكاً للذاكرة وحدها، بل إن بعض المؤسسات أصبحت تحث الفرق على تدوين الدروس المستفادة من المشاريع وتحاول بناء بيئة تركز على الاستفادة من الأخطاء عوضاً عن اللوم وتوجيه الاتهامات، والتطور الذي يحدث بعد ذلك يكون مصدره الرئيسي التدوين.
قد يكون أبسط ما يبدأ به الشخص هو أن يخصص دقائق في يومه يكتب فيها ما أنجزه، دون أن يتكلف في الصياغة أو يشترط أن يكون ما أنجزه كبيراً. اكتب ما أتممته بكلمات قليلة، فالعبرة بالاستمرار وليس بطول ما تكتب. ومع الأيام سيتجمع لديك سجل يُضيء مسارك، وتصبح هذه العادة القصيرة مرآة ترى فيها تقدمك حين يخفى عليك في زحمة الأيام.
