أعتقد أن هناك حالة متنامية من المخاوف لدى البعض تتعلق بأن الفرص، خاصة فرص الربح المالي، تفوتهم، وبسبب هذه المخاوف يقدمون على مجازفات استثمارية غير محسوبة ولا مدروسة بشكل دقيق وموضوعي. وعند بحثي عن انتشار مثل هذه المخاوف، وجدت أن لها تصنيفاً وتسمى متلازمة: الفومو المالي (Financial FOMO)، وهي ببساطة حالة أو متلازمة تسبب قلقاً وضغطاً نفسياً وتصيب البعض من الأفراد، نتيجة رؤيتهم الآخرين يحققون أرباحاً متتالية، وينجحون في استثماراتهم، وبالتالي يحققون الثراء، وهذه المشاهدات وما يسمعونه من قصص تدفعهم لاتخاذ قرارات مالية متسرعة، وغير محسوبة العواقب ولا النتائج.
لكن لنسأل: لماذا توجد هذه الحالة للدرجة التي باتت فيها كأنها ظاهرة سلوكية واجتماعية؟ لعل الإجابة تكمن في العاطفة البشرية أولاً، ثم الزخم الإعلامي الذي يتم عبر منصات مواقع التواصل الاجتماعي، التي تعطي صوراً وقصصاً ونماذج مثل المؤثرين الذين يستعرضون نجاحاتهم المالية ويشاركون لقطات لأرباحهم. ولا ننسى «التريندات» التي تشجع وتحث على الاستثمار هنا أو هناك، وهو ما يسبب حالة من التهافت الجماعي نحو الشراء والاستثمار، والزخم من القصص التي يرونها، مثل العملات الرقمية، أو أسهم الشركات، أو نحوها... هذا الكم من المعلومات الإيجابية غير الدقيقة يدفع الفرد نحو قناعة بأنه هو أيضاً سيحقق ربحاً سريعاً ويصبح ثرياً مثل الآخرين.
ويمكن التعرف إلى الشخصيات التي تعاني هذه الحالة من خلال عدة سلوكات مالية واستثمارية، مثل: الاستثمار متأخراً عندما يصل السعر إلى أعلى قيمة، وهناك النوع الذي يستثمر دون فهم ودون دراسة كافية للسلعة ولا للسوق، حيث يقوم بالتوجه للشراء بناءً على التوصيات وما يشاهده من مقاطع وما يسمعه من كلمات، دون معرفة ولا علم. ولا ننسى من يسحب من مدخراته أو يقوم بالاستدانة وأخذ قروض ليدفعها في استثمارات عالية المخاطر بسبب الحماس والاندفاع، وما سمعه من تشجيع.
هذه المتلازمة المؤذية تنقل الفرد من عقلية البناء المالي الذي يتم وفق مقدرته ودخله المالي، إلى عقلية المجازفة والهرولة والتسرع، دون علم ولا مهارة، ولا امتلاك المعلومات اللازمة. والنتيجة ديون مستحقة، وأقساط متتالية لعدة سنوات.
جنّب نفسك هذه المعاناة.. الدرس الذي علينا فهمه تماماً، هو التركيز على ما نبرع فيه، وتجنب زخم التوصيات الاستثمارية العامة، التي لا نعرف تفاصيلها ولا مخاطرها...
