كان اليونانيون القدماء ينظرون إلى جميع الشعوب الأخرى بوصفهم برابرة، وبرغم أن بعض جيرانهم مثل المقدونيين قد تمثلوا الثقافة اليونانية وحكموا أرض الإغريق خلال فترة الإسكندر الأكبر، إلا أن اليونانيين اعتبروهم أيضاً برابرة، وبعد قرون طويلة سنجد لدى فلاسفة كُثر تلك الدعوى مبطنة في أطروحات مثقفنة، حيث نظّروا للمعجزة اليونانية التي أنشأت الفلسفة من فراغ ووضعت أسس العلوم من دون أي تأثيرات لحضارات سابقة، وهو ما أُطلق عليه إجمالاً «المعجزة اليونانية»، وهو ما نقرأه في كتاب مثل «حكمة الغرب» للفيلسوف الإنجليزي الذي شغل الدنيا في القرن العشرين برتراند راسل.
وفق راسل وغيره من المفكرين، فإن المعجزة اليونانية انطلقت نتيجة لحب اليوناني القديم للتفكير المجرد، وهو أسلوب لم تعرفه الشعوب القديمة، وبرغم أن معظم من روّج لهذه الفكرة من الفلاسفة يرفضون في الأساس نشأة فكرة أو علم أو حضارة من دون أساس أو مقدمات قوية، إلا أنهم تغاضوا عن ذلك المبدأ في ما يتعلق بالمعجزة اليونانية. ويقول راسل، الفيلسوف العلمي الرياضي، في كتابه السابقة الإشارة إليه بأسلوب شاعري، إن الفلسفة، أو الحكمة، الغربية بأكملها بدأت لأن اليوناني القديم امتلك نزوعاً أخلاقياً نحو بذل الجهد العقلي.
تحتل الفكرة السابقة متن سردية الحضارة الغربية، وتستمر مع الرومان أيضاً، فهؤلاء تميزوا بعبقرية في التنظيم ووضع القوانين، ، وفي هامش تلك السردية هناك صوت خافت حمله نقاد المركزية الغربية، فالعبقرية اليونانية لم تنشأ فجأة أو من فراغ لكنها تأثرت بحضارات سابقة أو معاصرة لها. لكن هذا النقاش لم يصعد أبداً إلى الواجهة ولم يتحول إلى متن.
هذا النقاش يبدو في الظاهر تاريخياً ونظرياً وأحياناً فلسفياً جافاً وبارداً، لكن نتج عنه في العمق رؤى سياسية متعددة الطبقات، حيث أصبح العالم موزعاً على الغرب والآخرين، أو وفق مقولة البعض الدالة والقاسية: «أوروبا ومن لا تاريخ لهم»، ونلمح أن من دعوا إلى المساواة وحقوق الإنسان هم من قسّموا العالم إلى طبقات، ومن رفضوا فكرة تكرارية التاريخ لأحداثه وسخروا منها واعتبروها فكرة شرقية متخلفة تتناقض مع روح التقدم هم من كرروا تاريخهم،
فأوروبا نسخة حديثة من اليونان القديمة، وأمريكا بدورها نسخة من الرومان، فالتاريخ مسموح له بأن يكرر نفسه، وفي إطار التقدم، في الحالة الغربية فقط، وفي تلك الأدبيات لا وجود لحضارات الشرق الأقصى أو لبشر في إفريقيا جنوب الصحراء أو منطقة الشرق الأوسط، إلا من باب البحث عن كل ما هو غريب ومدهش وخلاّب. وكل ما أضافته البشرية للتاريخ كان فقط في حقبة العصور الوسطى الأوروبية ولا يعدو أن يكون مجرد حفظ للموروث اليوناني وتسليمه مرة أخرى إلى الأوروبيين.
في مقابل هذه المركزية لم تطرح الثقافات الأخرى رؤيتها للعالم، إلا من باب الدفاع عن النفس، في مواجهة هجوم العلوم الغربية عليها. لكن تأسيس رؤية متكاملة للعالم والتاريخ تمتاز بروح مغايرة للسردية الغربية لم يزل أمنية لم تكتمل بعد.
