ليس كل الرؤساء قادة، لكن مفهوم القيادة يتطلب سمات عدة لم تتوفر إلا للقليل عبر التاريخ، القيادة مسؤولية و«كارزما»، وقرارات جريئة في أصعب اللحظات، القيادة جرأة وإقدام، القيادة انفتاح على الآخرين ومحبة للجميع، القيادة فضاء يتكون من: أصول فصول وزوايا وأركان وتاريخ وجغرافيا، وأدوار ومكانة.. كل هذه السمات والشروط توافرت في صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله.
تختزن زيارة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد، إلى الكويت كل سمات القيادة وشروطها، ففي الظروف الخاصة التي يمر بها خليجنا وفي ظل العدوان الإيراني الغادر الذي تتعرض له بلداننا تأتي تلك الزيارة، لتؤكد أن الإمارات والكويت يد واحدة ومصير مشترك تحدده عدة عوامل من امتداد سكاني واجتماعي وثقافة مشتركة وهوية ومصالح لا حدود لها، وتقارب في الرؤية بمذاق التطابق.
نحن أمام نموذج لقائد فريد يندر أن نجد له مثالاً في التاريخ، يضع نصب عينيه المبادئ كأولوية، ومن هنا قيمة الرجال ومكانة الرجال وتأثيرهم في التاريخ، فسموه لم يضع في أولوياته أية حسابات سوى أن يزور الأشقاء ويشد من أزرهم ويقف معهم في الظروف التي يتعرضون لها من دون الالتفاف إلى أي اعتبارات أخرى.
عندما نتحدث عن محمد بن زايد، فنحن في حضرة الرجال وعلينا هنا ألاّ نفكر أو نلتفت إلى أي شيء آخر، ولأننا في حضرة الرجال فبوصلتنا هي المواقف التي تحدد الأحداث وتكتب التاريخ ولعلنا أمام تاريخ يكتبه الشيخ محمد بن زايد الآن، يكتبه بعزيمة وإصرار وإرادة لا تعرف اللين وقيم ديدنها الحق وما ينبغي أن يكون.
لا تظهر معادن الرجال إلا في المواقف، ولا يبحث البشر عمّا ينبغي أن يكون إلا في الظروف الصعبة، ولا نجد أنفسنا أمام حالة قيادية فريدة إلا في الأوضاع المصيرية والساخنة.
أن يزور الشيخ محمد بن زايد، الكويت الآن، فإن ذلك رسالة سياسية لأطراف عدة تشمل العديد من المعاني وتتضمن دلالة ومغزى، تقول الرسالة إننا أقوياء وإن الحياة مستمرة والأحوال طبيعية ولا يوجد أي سبب لقلق أو توتر.. أن تكون الزيارة هادئة من دون كلام سمعناه من قيادات أخرى في ظروف مماثلة، فتلك رسالة أخرى تنطلق من سياسة الإمارات الهادئة بطبعها، سياسة الأفعال والإنجاز لا ثقافة الكلام والصخب الذي لا يثمر عن شيء في النهاية.
أن يزور الشيخ محمد بن زايد، الكويت برفقة سمو الشيخ منصور بن زايد آل نهيان نائب رئيس الدولة نائب رئيس مجلس الوزراء رئيس ديوان الرئاسة، والفريق سمو الشيخ سيف بن زايد آل نهيان نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية، فإننا هنا أمام زيارة من العيار الثقيل تؤكد المعاني السابقة كلها وتؤكد العلاقة الجذرية بين البلدين الشقيقين، وأن التعاون بينهما يأتي على مستوى عالٍ بين القيادات بخلاف تلك العلاقات التاريخية المميزة بين الشعبين.
أن يزور الشيخ محمد بن زايد، الكويت الآن، فرسالة تقول لإيران نحن هنا ولن يؤثر فينا العدوان الغادر ولا نخضع لمنطق القوة أو التهديد أو الابتزاز، وأن منطقة الخليج باتت رقماً صعباً في العالم وعلى المستويات كافة: السياسية والاقتصادية والحضارية.
تأتي الزيارة في إطار سياسة القائد محمد بن زايد التي عرفناها وخبرناها جيداً، سياسة لا تعرف اللين أو المهادنة في المواقف ولا تساوم على الحقوق، سياسة خبرناها على مدار سنوات في وقوف سموه العنيد ضد الإرهاب والجماعات المتسربلة بغطاء الدين، وخبرناها في وقوف سموه مع العدالة في أية بقعة من العالم، فما بالنا وأن مسألة العدالة هنا تتعلق بالوطن، الإمارات، وبالوطن الثاني، الكويت، وهما يقفان بصلابة في وجه هجوم غاشم لا يستند إلى أي حق أو منطق.. هجوم جلف يستهدف البشر قبل أي شيء آخر.
لطالما كان للكويت موقع مميز في قلب كل خليجي وعربي، التاريخ يقول ذلك ونحن نعرفه جيداً ودعم الكويت واجب وطني وقومي، إماراتي وعربي وإنساني أيضاً، ولطالما كانت العلاقة بين الكويت والإمارات ذات طابع خاص، بمذاق مميز وتاريخ يحكي قصته بنفسه لا يحتاج إلى أحد لكي يتحدث نيابة عنه.
لا يوجد بلد آخر أولى بدعم الكويت والوقوف بجوارها أكثر من الإمارات، الكويت والإمارات دولتان قياديتان في محيطهما وأمتهما، وقادرتان على الفعل والتأثير، وفي الإمارات قائد يدرك تلك الحقيقة ويعرف جيداً أبعادها ومكوناتها ويعمل على هذا الأساس وهو قائد استثنائي ورجل من معدن نادر. كان حاضراً في الكويت وتباحث مع قيادتها وزار شعبها ليقدم درساً للتاريخ ويصنع نموذجاً للآخرين، ويخط رسالة تقول الكثير تنتظر من يستوعبها ويخرج منها بالدروس.
زيارة رئيس الدولة للكويت الآن تاريخية تلخص معنى معدن الرجال الذي لا يظهر إلا في الأزمات، ولذلك فهي زيارة تؤثر في كل الرجال.
barqawi04@ hotmail.com
