الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

الوجه الآخر للتقدم

19 يونيو 2026 00:26 صباحًا | آخر تحديث: 19 يونيو 00:26 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
في عام 1750 طرحت أكاديمية فرنسية السؤال: هل أسهم تطور العلوم والفنون في ارتقاء أخلاق الإنسان؟ وجاءت إجابة الفيلسوف جان جاك روسو بالنفي، وذلك بخلاف أفكار عصر التنوير بأكمله الذي كان يرى أن كل تقدم هو خطوة إيجابية على مختلف الأصعدة، وعُرف روسو بعدها بفيلسوف الطبيعة الذي يدعو إلى العودة إليها واتباع الفطرة الأولى حيث كان البشر أكثر أخلاقية.
سؤال التطور أو التقدم مربك، خاصة في مناخ ثقافتنا العربية، ولكن لندع ثقافتنا قليلاً، ونعود إلى سؤال التقدم في أفقه الإنساني العام، تلك الإشكالية والأزمة التي تدفع البعض إلى التفكير بعمق مع كل قفزة يحققها الإنسان، وكثيراً ما طُرح هذا السؤال في علاقته بنوعية الحياة، هل حياتنا ستكون أفضل مع تحقيق المزيد من التقدم؟ أو في علاقته بمسألة السعادة: هل التطور يحمل لنا سعادة أم سيصحبه بؤس وشقاء؟
الملاحظ أنه مهما كانت نوعية الإجابات فإن قطار التقدم لم يتوقف يوماً، والملاحظ مرة ثانية أن رياح التطور عاصفة وليس بالإمكان الوقوف في وجهها حتى لو مست حقوق البشر الأساسية، والملاحظ مرة ثالثة أن البشر يقبلون على التطور وهم يدركون أنه يسلبهم تلك الحقوق، فالشبكة العنكبوتية على سبيل المثال بملحقاتها، هي نتاج العقود القليلة الماضية، وفي سبيل التمتع بثمارها تخلى البشر طوعاً عن كثير من مكتسباتهم، بل وقبلوا تغيرات أساسية في سلوكياتهم وطبيعتهم نفسها.
يعلم كل مستخدم للإنترنت أنه مراقب على مدار اللحظة، ومع ذلك هو ينخرط في استخدامه بقوة، ولا يتصور الحياة من دونه، هذه الرقابة، وللمرة الأولى، لا تصيب البشر بالتحسس أو تدفعهم للاعتراض أو التمرد، وذلك بعكس روايات خيالية سوداوية كُتبت منذ عقود تناولت مسألة الرقابة من زاوية مأساوية، هنا نحن أمام احتمالين، إما أننا أمام بشر لا تشغلهم مسألة الرقابة بخلاف ما ذهبت تلك الروايات الشهيرة، بمعنى أن كراهية الرقابة والنضال ضدها مسألة نخبوية لا تعني الناس في قليل أو كثير، وإما أن البشر أنفسهم تغيروا في الرؤى والمفاهيم وإدراك العالم ومتغيرته، وهذا ما حذرت منه تلك الروايات.
على المستوى العربي لا يمكن التعاطي مع مسألة التقدم من منظور واسع أو إنساني، فالعرب منذ قرنين أو أكثر لا يحلمون إلا بالتقدم، هو قضيتهم المركزية، وبوصلتهم الأساسية، التي لم يكن لهم شغل سواها، كان اللحاق بالعالم المتقدم مطلبهم الأول وعلى مختلف الفئات الاجتماعية، فالمفكر يبحث عن العقل والحريات، والسياسي ينشد الاستقرار والدولة الحديثة، والاقتصادي يتطلع للانخراط في السوق الدولي وتحقيق معدلات تنمية مرتفعة، والمواطن البسيط ينشد دولة الرفاه، والجميع يتمنون التقدم العلمي، وليس هناك من مجال لمراجعة التقدم كما يفعل تيار غربي واسع. وإذا انتقد أحد العرب فكرة التقدم فسرعان ما يُتهم بأنه متخلف أو رجعي أو يقف ضد عقارب الساعة، وبرغم وجاهة ومركزية الحلم إلا أننا في النهاية ننتمي إلى البشرية الواسعة التي لها كل الحق في رفض سلبيات التطور.

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة