الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

من جورج واشنطن إلى ترامب

12 يوليو 2026 00:01 صباحًا | آخر تحديث: 12 يوليو 00:01 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
الفارق الزمني بين الرئيس الأمريكي الأول جورج واشنطن، والرئيس السابع والأربعين دونالد ترامب، هو عمر الولايات المتحدة ال250 عاماً منذ الاستقلال حتى الآن، والفارق الشخصي أن واشنطن كان ضابطاً في القوات الأمريكية التي تصدت لقوات التاج البريطاني، ونجح في تحقيق استقلال أمريكا، وهو من المؤسسين الأوائل، مع جيمس ماديسون والكسندر هاملتون، الذين نجحوا في تأسيس النواة الأولى للولايات المتحدة، ووضع أول دستور مكتوب لها، وتم بناء السلطة الاتحادية بمؤسساتها، وتحويل أمريكا من كونفيدرالية إلى فيدرالية، وعلى هذا الإنجاز تم بناء أكبر جمهورية عرفها التاريخ، أما ترامب فهو رجل أعمال، وفي ولايته الأولى تم اقتحام الكونغرس الأمريكي، وفي ولايته الثانية تشهد السياسة الأمريكية الكثير من أعراض الوهن كقوة عالمية، وظهور التيارات الشعبوية البيضاء، والاحتجاجات والحديث عن العزلة الأمريكية ودخول أكثر من حرب. وبدأت أمريكا التي وصفها الرئيس كينيدي بأمّة المهاجرين في تفكيك هذه الأمة بالكثير من السياسات التي تقلص حقوق المهاجرين، وتجاوز صلاحيات الكونغرس في الحرب، وغلبة النزعة الشخصية على سياسته ومواقفه التي تظهر هذه النزعة الفردانية. وعلى الرغم من كل مظاهر التراجع على سلم القيادة العالمية، ما زالت الولايات المتحده تمثل استثنائية سياسية في تجارب البناء والقوة السياسية الشاملة.
فمن غياهب الجغرافيا وظلمة التاريخ، ومن أرض منسيّة لا يعرفها أحد إلى الدولة الأولى في العالم، تبدأ القصة مع الرحالة الجغرافي كولومبوس الذي اكتشفها، ولتبدأ بعدها الرحلة مع أول المستوطنين الأوروبيين، الذين وجدوا أرضاً واسعة وقارة كبيرة ولتبدأ معهم موجات من الهجرة الأوروبية.
أمريكا ليست وليدة الحلم الأمريكي الذي ارتبط بالإبادة الجماعية للهنود الأصليين، واستيراد الآلاف من البشر من إفريقيا، والتعامل معهم كعبيد، وفي المقابل، لا يمكن تجاهل أن أمريكا دخلت 400 حرب منذ 1776، آخرها الحرب على إيران. وتنفرد أمريكا بعدد قواعدها العسكرية التى تبلغ نحو 128 قاعدة عسكرية في 51 دولة.
والسؤال بعد 250 عاماً، ما هو مستقبل هذه الإمبراطورية الأمريكية؟ وقبل الإجابة لابد من الإشارة إلى أن أمريكا امتلكت عناصر القوة الشاملة بكل أشكالها، الناعمة والصلبة. وبدأت مرحلة الصعود قبل الحرب الأولى، وشهدت ثورة زراعية وصناعية وتجارية، على يد الأوروبيين الأوائل. وكانت نهاية الحرب الأهلية الانطلاقة الحقيقية لأمريكا القوية، وصعودها، وتزامن ذلك مع قوتها الاقتصادية والعسكرية، وتمثلت مرحلة الصعود الثانية في تجاوز الأزمة المالية في ثلاثينيات القرن الماضي، ما هيأ لها دخول الحرب الثانية، وحسمها. وخرجت بعد الحرب الثانية كقوة كونية لتتقاسم القوة العالمية مع الاتحاد السوفييتي، في ظل نظام القطبية الثنائية الذي استمر حتى سقوط الاتحاد السوفييتي عام 1991، وتحولها إلى قوة أحادية تهيمن على النظام الدولي، وهذه المرحلة وإن ما زالت قائمة حتى اليوم، لكنها لم تعد القوة الأحادية ببروز الصين وروسيا، وقوى إقليمية صاعدة لتنافسها على النظام الدولي.
إنها مرحلة التحول في بنية القوة والتراجع في القوة الأمريكية. وينطبق ذلك اليوم على الحالة الأمريكية، وفقاً لقول الفيلسوف الألماني أوزوالد شبينغلر، إن «التاريخ ليس خطاً مستقيماً نحو التقدم، بل دورات متعاقبة من النوم والخذلان»، وقول المؤرخ البريطاني أرنولد توينبي، إن التاريخ دورات حلزونية تولد، وتنمو، ثم تشيخ، وتموت.
تقف أمريكا اليوم أمام مرحلة تاريخية مصيرية، وأمامها خياران، إما أن تعيد تأصيل وتقوية مفهوم أمّة المهاجرين بالانتماء، والمساواة، والحرية، والمواطنة الأمريكية الواحدة، وإما الصراع والتنازع، وبروز الشعبوية البيضاء، وهيمنتها، وظهور النزعات الاستقلالية للولايات. وتكرار نموذج الإمبراطورية الرومانية التي انتهت بعد 500 عام.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة