الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

بحثاً عن عالم بحاجة دائمة إلى البحث

11 يوليو 2026 00:07 صباحًا | آخر تحديث: 11 يوليو 00:07 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
استيقظنا في جحيم، وراحت خطب النهايات تُجلجل داخل أسوار التاريخ المفاجئ الذي لم نكن ننتظره. رحنا نستقبل متلهفين أولادنا وأحفادنا، زرافاتٍ ووحدانا، من أقطار الخليج نحو العاصمة بيروت في اللهيب. وبدا الزمان حائراً يستغرق في حروب لا هوية ولا نهايات لها، سوى كونها شبيهة، أو حفيدة الحروب العالمية الأخيرة، نعاينها أمامنا هنا بخوف عظيم. تسمّرنا، ومعنا تسمّر العرب والعالم حيال مستقبل تلك الدول المنتهية أسماؤها بحرف النون لبنان/ إيران، لكأنّ النون هذه أجران تطفح أبداً بالقتلى، والجرحى، والخرائب، وتصلبنا ساهرين أبداً، بحثاً عن ملامح لمستقبل البلاد، والعباد، والأولاد. لا حيلة بتزيين المقدمات والتوصيفات والأبحاث عن جواب السؤال التاريخي: تبحث الأجيال تباعاً في ركام الحروب عن السلام، وتدور المعضلات الدموية المتلاحقة حول كلمة واحدة قوامها: عظمة «الاعتراف» بالآخر، لا بتدميره بالوقائع الدموية. لهذا، لا تكفي التنمية الاقتصادية وحدها لتحقيق الاستقرار، إذا لم يشعر الأفراد بأنهم محترمون ومتساوون في الحقوق قي الحياة، ونِعم الحضارة.
احتضنت الحروب بكتاب عنوانه: «نهاية التاريخ والإنسان الأخير» للمفكّر الأمريكي فرانسيس فوكو ياما، إذ منذ صدوره بقي صارخاً في تبريد الحروب والنقاشات السياسية كلما شهدت البشرية مخاطر تدميرية، بل تحولات كبرى، أو أزمات دولية جديدة، بما يُضيء ظلمة العقل والواقع المفاجئ غير المنظور.
رأى النص الضوء مع ضرب القوة الاستراتيجية والمالية العربية، وتفكك المنظومة الشيوعية التي نافست الغرب لعقود طويلة، فيما بدت الديمقراطية الليبرالية علماً جميلاً يلوح في الآفاق، لكأنه النموذج المنتصر والمنتظر عالمياً، بلا منازع.
نهاية التاريخ تستند إلى وسادة أفكار فلسفية غنيّة للفيلسوف الألماني هيغل، الذي اختصر التاريخ كمسيرة متواصلة لتوسيع فضاء الحرية الإنسانية الخيّرة، لأن الأنظمة السياسية الكبرى لم تجعل البشرية ترتاح في منافساتها لقرون كي تنجح الديمقراطية في البقاء والازدهار، بينما تعرّقت الأنظمة المنافسة الواحدة تلو الأخرى: انهارت الفاشية مع نهاية الحرب العالمية الثانية، وفقدت الشيوعية الاستمرار مع نهاية الحرب الباردة، وبدا المشهد العالمي لكأن التاريخ حسم خياره لمصلحة نموذج سياسي واحد، يقوم على الانتخابات، وحقوق الإنسان، واقتصاد السوق.
لن أتوقف كثيراً عند السياسة والاقتصاد، أو أذهب إلى جانب أكثر عمقاً يعنينا عرباً، يتعلق بطبيعة الإنسان العظيمة نفسه في بلادنا. فالإنسان، بل الحكام والدول، بتقديري، لا تبحث عن الخبز والرفاهية فقط، بل تحتاج أيضاً إلى الاعتراف بكراماتها، وقيمها، ومكاناتها، وسلامة شعوبها في محيطاتها، كما في العالم كله. وفي مخاطر ما شهدناه، ونشهده يعيش العالم صعود قوى دولية جديدة، وتنبعث النزعات القومية، والأزمات الاقتصادية والسياسية، والحروب المفاجئة المتلاحقة، ما يدفعنا، في لبنان والعرب، إلى التساؤل:
أنحن متفائلون في بلادنا ومستقبلنا أكثر مما هو متاح وبما ينبغي لنا؟ نحن عرب كما غيرنا منخرطون في التفكير في ملامح التقدم الإنساني، ونهضة المجتمعات والسلام، وتغرينا العلاقات بين الحرية والازدهار، وعبر معاصرة الديمقراطيات للاستمرار في مواجهة التحديات الجديدة لا بالحروب في بلادنا، ومن حولنا، باعتبار أن الحرية والكرامة والشعور بالاعتراف تبقى عناصر أساسية نراكمها في بناء المجتمعات واستقرارها. قد تتغير الأنظمة، كما حصل ويحصل، وتتعاقب القوى الكبرى الملتقطة لخيراتنا، لكن البحث الراقي الإنساني عن المعنى والاعتراف سيبقى من أقوى المحركات العميقة للتاريخ ولمستقبل بلادنا والأجيال.
لهذا يقع الكتاب الذي غطّى وجه الحرب حفراً مثيراً للجدل، يبحث عن سياسات لا تحيي عصر الأيديولوجيات المنقرضة بقدر ما تقدّم أفكاراً تملأ الفراغات الناتجة عن زوالها، لتبقي الأسئلة المفتوحة أمام كل جيل جديد يحاول أن يفهم العالم ومكانه فيه.
لم، ولن ينتهي التاريخ، لكن الأسئلة الأبدية حول الحرية، والكرامة، والاعتراف، والعمران، والحضارة، ستبقى حاضرة بقوة في عالم قد تتغير موازينه باستمرار. ولهذا، لا نهاية للتاريخ، والإنسان الأخير سيبقى الكائن الأسمى الذي لو رافقته الحروب والكوارث فإن أعظم الأعمال الفكرية الاستراتيجية إثارة للنقاش في العقود الأخيرة ليس الحروب بصفتها الإجابة النهائية للمستقبل، بل طرح السؤال الذي لن يفقد معناه في البحث عن عالم هو بحاجة دائمة إلى البحث.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة