لا يوجد لدى كل أم ولا كل أب أسعدُ من رؤيتهما لأبنائهما وهم يتفوقون في مختلف جوانب الحياة، وحتى وإن كان هذا التفوق يتجاوزهما، فهذه خصلة بشرية معروفة. ومع هذا، هناك خطورة يرصدها علماء العلوم الاجتماعية، نبعت وظهرت في هذا العصر التقني الذي نعيشه، ويعتبرونها من أعمق التحولات الاجتماعية التي تعيشها الأسر بصفة عامة، كونها تتجاوز ما يُعرف بفجوة مهارة استخدام الأجهزة، لتمسّ في هذا العصر عمق وجوهر السلطة الرمزية، ومفهوم القدوة داخل المنزل.
في العلوم الاجتماعية، كان دوماً الأب والأم هما مصدر المعرفة الأول، وفي حقبة زمنية كانا هما المصدر الوحيد لهذه المعرفة، وبالتالي كانت سلطتهما التربوية تُستمد من كونهما يسبقان أبناءهما في المعلومة والحكمة والخبرات الحياتية. مع دخول حقبة الذكاء الاصطناعي والتطورات المتلاحقة والمستمرة في التكنولوجيا، نجد تكسراً لهذه المعادلة، أو لهذا الوضع التاريخي، ففي الماضي كان التدفق المعرفي يتم من الأعلى (الآباء) إلى الأسفل (الأبناء)، لكن في هذا العصر بات التدفق عكسياً، حيث بات الأبناء هم الأفضل من الناحية المعلوماتية، وبالتالي هم من يعلّمون آباءهم وأمهاتهم. ونجد هذه الحالة في حجز الخدمات الإلكترونية، أو حماية البيانات، أو التعامل مع البرامج المختلفة وغيرها من المهام التقنية الإلكترونية، حيث بات فيها الأبناء وكأنهم وسطاء تقنيون، إن صح التعبير. لم يعد الابن مستخدِماً وحسب، بل كأنه مستشار فني ومترجم للواقع الجديد داخل أسرته، ودون شك أن هذه وظيفة جديدة منحت الأبناء دوراً أكبر، وقوة خفية، ونوعاً من الاستقلالية المبكرة.
يعتبر علماء التربية والمجتمع أن هناك أزمة تجب معالجتها، على سبيل المثال، عندما يكون الأب أو الأم عاجزاً أمام مشكلة تقنية ويطلب من ابنه المراهق شرح كيفية تجاوزها، أو كيف يعمل تطبيق ما، أو يعلّمه كيف يستخدم ChatGPT أو غيره، يعتبرون أن هناك شرخاً حدث، وإن كان ضئيلاً، في صورة الأب الذي يتمتع بالمعرفة. لكن الصورة ليست بهذه الدرجة من القتامة، لأن المعرفة التقنية لدى الأبناء تمثل جانباً واحداً، بينما الحكمة والخبرة الحياتية والاجتماعية لدى الآباء تمثل جوانب أخرى.
وعلى العكس تماماً، قد يكون في هذا تبادل للأدوار والمهام الحياتية، وبالتالي لا مانع من قيادة الأبناء للسفينة تقنياً، بينما الأم والأب يوجهون دفتها وبوصلتها أخلاقياً وإنسانياً.
