السيّد «هرمز»، إليك هذه الرسالة من صحفي عربي عاش حياته كلّها على الورق والحبر وهدير المطابع التي تبدأ عملها عادة قبيل الفجر، والنّاس في عزّ النوم، فيما الجريدة تُصنع على نار هادئة، ليتناولها القوم في الصباح مع قهوتهم السمراء في البيوت، والمقاهي، ومكاتب العمل، حيث الورق هو سيّد الزمان والمكان، ورق الجريدة الرحب المفرود على ثمانية أعمدة، الورق إيّاه الذي صنعه فلّاح صيني يدعى تساي لون من البوص والبامبو والخرق البالية، لكي يقدّم صناعته هذه هدية إلى الإمبراطور، ليصبح الفلّاح في ما بعد وزيراً للفلاحة.
السيد «هرمز»، أظن أنه لا حاجة لك الآن لقراءة تاريخ الورق، ولا يهمّك عملياً أن تصدر جريدة هنا أو تتوقف جريدة هناك، لأنّك ببساطة تمنع ناقلات الورق من الحركة في مضيقك المائي الذي يحمل اسمك، وذات يوم، مرّ به ماركو بولو، ولم يكن ذلك الرحّالة الفضولي سعيداً بما رآه في جغرافيتك المائية الضيّقة التي تشبه عنق الزجاجة، وكيف لناقلات ورق أو حبر أو حرير أن تعبر من عنق زجاجة.
السيد «هرمز»، أتوجه إليك بالقول إنّك اليوم، وبعد أفول مملكتك البحرية السعيدة آنذاك، إنما تضرّ بي، وبأولادي، وبآلاف أو حتى ملايين أولئك الذين يأكلون بالورق أو من الورق حين تتوقف الجرائد عن الصدور، وحين تتحوّل المطابع إلى أطلال من الحديد.
السيد «هرمز»، أيها الملك القديم، قرصان الماء وصائد الحوت، يا بيّاع المراكب، لا أرجوك، ولا أتوسّلك، بل أدعوك للعودة إلى ذاكرتك فقط، ذاكرة الكتابة، من ورق البردي في الألف الثالث قبل الميلاد، إلى عام 105 ميلادية، مروراً بطريق الحرير من سمرقند إلى بغداد، وصولاً إلى القرن الحادي عشر الأوروبي، حيث تنقل صنايعية الورق بين هذه التواريخ لكي تكتب الحضارات والثقافات والآداب على هذه الرقاع الورقية الجميلة، في الشرق والغرب، والشمال والجنوب.
السيد «هرمز»، انظر حولك قليلاً، فما من شيء في هذا العالم إلا ويحتاج إلى ورقة. يولد الطفل وفي يد والده ورقة شهادة الميلاد، وإذا ذهبت إلى السوق فلا بدّ لك من ورق المال، وإذا كتبت رسالة حب فلا بدّ لك من الورق، هذا إذا كان الملوك يكتبون رسائل حب.
السيّد «هرمز»، لقد أمضيت حياتي أسير على الورق وأسيراً لثقافته وتاريخه، إن جريدة الصحفي هي بيته وعرشه، تماماً مثل عروش الملوك، وليس لديّ ما أقايضك به إذا جعلت الابتزاز ورقة، فالعهود والمواثيق الإنسانية الأخلاقية لا تكتب على الرصاص والنحاس، بل تكتب على الورق.
