الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

كرة القدم والسياسة والاقتصاد

13 يوليو 2026 00:16 صباحًا | آخر تحديث: 13 يوليو 00:16 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
لا يزال العالم يستمتع بمباريات كأس العالم 2026، ويتابع بنهم صعود ونزول الفرق، ضمن مفاجآت كروية مدوّية. ويحلو للجماهير العربية وغير العربية توظيف نظرية المؤامرة وهي تحلّل أسباب الفوز والخسارة. وهذه النظرية غالباً ما يتم ربطها بالسياسة، وبالنسبة للمونديال يتم ربطها بالاقتصاد، إذ يعتقد كثيرون أن الحدث العالمي، وإن كان رياضياً بامتياز إلا أن الاقتصاد هو الذي يحرّكه ويتغذّى عليه. ويتّفق المحللون على أن الرياضة غالباً ما تُستغل سياسياً، إن كان عبر استضافة البطولات، أو عبر النفوذ في الاتحادات الدولية. وتمتلك المنتخبات الكبرى نجوماً عالميين، يصبحون أكثر جذباً للإعلام. ومن ناحية أخرى، يشعر الجمهور أحياناً بأن قرارات الحكّام منحازة، فيفسر ذلك على أنه تدخّل سياسي أو اقتصادي.
لقد أثارت مباراة مصر مع الأرجنتين في مونديال 2026 جدلاً واسعاً امتد إلى الصالونات السياسية، وذلك حين أُلغي هدف مصري في مرمى الأرجنتين، وقد أثار انقساماً عالمياً، وما عزّز الغضب والانقسام تدخلات ميسي العنيفة أمام منتخب الجزائر، ومن المباريات التي أثارت ضجّة وأسئلة في إطار نظرية المؤامرة، مباراة مصر- إيران التي تزامنت مع فعاليات «يوم الفخر» في سياتل، والتعاطف مع المثليين، هذه الأحداث غذّت شعوراً واسعاً بأن السياسة كثيراً ما تتداخل مع كرة القدم العربية.
وعودة إلى مباراة مصر والأرجنتين، أثار إلغاء الحكم هدفاً لمصطفى زيكو بذريعة خطأ في بداية الهجمة، انقساماً عالمياً بين خبراء التحكيم، حيث اعتبره البعض مخالفاً لروح البطولة، والبعض اتهم لجنة التحكيم بالتّحيز للنجوم الكبار مثل ميسي. ويمكن ذكر ما حدث في مباراة الجزائر والأرجنتين كدليل على تحيّز الحكام الذي قد يكون بتعليمات سياسية، وذلك حين ارتكب ميسي تدخلاً عنيفاً على المدافع عيسى ماندي، لكن الحكم لم يشهر أي بطاقة، ما أثار تساؤلات جمّة، من بينها حول حصانة النجوم أمام العقوبات. وهناك حدث كشف التداخل بين السياسة والرياضة حين رفض الاتحادان المصري والإيراني بشدة ربط المباراة بشعارات المثلية، واحتجا رسمياً لدى «الفيفا»، وهذا الحدث كشف عن تداخل بين السياسة والرياضة.
وعودة مرة ثانية إلى سيناريوهات ذات صلة بفرضية علاقة كرة القدم بالسياسة والاقتصاد، فماذا لو خرجت الأرجنتين ومعها ميسي بشكل مبكّر من مونديال 2026؟ تقول الأرقام إن ذاك الخروج كان سيكبّد «الفيفا» خسائر اقتصادية كبيرة، خصوصاً في أسعار التذاكر والعقود الإعلامية، لكن عودتهم التاريخية أمام مصر أنقذت السوق وأعادت ارتفاع الأسعار بشكل مضاعف. فخلال مباراة الأرجنتين ضد مصر، ومع تقدم مصر 2-0، انخفض متوسط سعر التذكرة إلى نحو ألف دولار، وبعد عودة الأرجنتين وفوزها 3-2، قفز السعر إلى ألفي دولار في دقائق، نتيجة الطلب الكبير على مشاهدة ميسي في الأدوار الإقصائية. أما العقود الإعلامية، فتعتبر شركات البث والإعلانات ميسي أحد أهم الأصول التجارية. وفي مونديال 2026، قُدرت قيمة الإعلانات العالمية المرتبطة بالبطولة بنحو 10.5 مليار دولار، وكان وجود ميسي يرفع قيمة كل دقيقة بث إلى أكثر من مليون دولار. إضافة إلى أن ميسي ظهر في نحو ربع الحملات الإعلانية الكبرى المرتبطة بالمونديال، ما جعله عنصراً أساسياً في عوائد الشركات الراعية، وبذلك يتجاوز تأثر النجم ميسي حدود كرة القدم ليصبح رمزاً ثقافياً وإعلامياً. ويقال إن نادي ميسي وهو «إنتر ميامي»، استفاد مالياً من مشاركته، حيث ارتفعت قيمته السوقية إلى 1.35 مليار دولار خلال البطولة. وهكذا، فإن بقاء ميسي في المنافسة أنقذ «الفيفا» من خسائر بمليارات الدولارات، وأثبت أن وجود النجوم الكبار هو محرك اقتصادي بقدر ما هو رياضي.
ومن الأحداث التي أثارت جدلاً وأشعلت نظرية المؤامرة، مباراة الأرجنتين ضد بيرو في مونديال 1978، حيث فازت الأرجنتين 6-0، واعتبر كثيرون النتيجة غير طبيعية، وظهرت اتهامات بوجود اتفاق سياسي بين النظام العسكري الأرجنتيني وبيرو. وفي مونديال 2002 اتهم الإيطاليون الاتحاد الدولي بالانحياز لصالح كوريا الجنوبية المضيفة. وفي مونديال 1982 انتهت مباراة ألمانيا ضد النمسا بنتيجة 1-0، وهو ما ضمن تأهل الفريقين معاً، وأثارت جدلاً كبيراً حول «ترتيب النتيجة» مسبقاً.
طبعاً لا توجد أدلّة واضحة على الانحياز المتعمّد للحكام، ولا على التدخل السياسي المباشر في سير المباريات، ولكن، يخشى الجمهور أن تكون مسرحية المونديال قد تمت بطريقة غير مباشرة، وهذا ما يتم أحياناً في منافسات الملاكمة، إذ تشير المشاهد إلى نوع من التمثيل والاتفاق المسبق على الفوز، وتكون مهمة الأبطال إمتاع الجماهير وخلق الدهشة والانتشاء بالنصر. ومن يُرد توظيف هذه النظرية في كرة القدم يمكنه مراقبة بعض الفرق والمقارنة بين أدائها في المباراة الفلانية وانتكاساتها في مباريات أخرى، حيث تبدو متألقة هناك، ومقيّدة هنا، وهذا ما لوحظ في مباريات لفرق عربية بعينها. بينما يقول أصحاب النظرية الرياضية إن الملعب هو من يحسم نتيجة المباراة وليس السياسة. وعلى الطيبين قبول هذا المنطق، بينما في عالم السياسة والاقتصاد، لا يُستبعد أي شيء.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة