لا أظنّ أن أحداً يستيقظ صباحاً، وهو يفكّر في المشاريع الحكومية؛ نحن نفكّر في الوصول إلى أعمالنا، وإنجاز معاملاتنا، وقضاء وقت أطول مع أسرنا، لكن الحقيقة أن كثيراً من التفاصيل التي نعيشها كل يوم، هي نتيجة مشروع بدأ قبل سنوات، واجتمع عليه أشخاص آمنوا بفكرة، ثم عملوا حتى أصبحت واقعاً.
ولهذا، فإن قيمة أي مشروع لا تقاس يوم افتتاحه، بل بعد سنوات، عندما يصبح جزءاً من حياة الناس، ويصعب أن نتخيل حياتنا من دونه.
في الإمارات، اعتدنا أن نسمع عن مبادرات ومشاريع جديدة، وربما اعتدنا عليها إلى درجة أننا لم نعد نتوقف كثيراً، لنسأل: لماذا تنجح أغلب هذه المشاريع؟
أعتقد أن الإجابة ليست في حجم المشروع، ولا في كلفته، بل في طريقة التفكير التي تسبقه؛ فكل مشروع ناجح يبدأ بسؤال عفويّ: ما المشكلة التي نريد حلها؟ وكيف نجعل حياة الناس أسهل؟
وعندما يكون هذا السؤال نقطة البداية، تصبح بقية الخطوات أكثر وضوحاً، تخطيط، ثم تنفيذ، ثم متابعة، ثم تطوير، فلا يوجد مشروع كامل منذ اليوم الأول، لكن هناك مشروع يستمع للملاحظات ويتحسن مع الوقت؛ وهذا هو الفرق.
وأجمل ما في التجربة الإماراتية، أن التطوير لا يتوقف عند إنجاز واحد، فما إن ينجح مشروع، حتى تبدأ رحلة التفكير في الخطوة التالية، وكأن النجاح ليس محطة للوصول، بل نقطة انطلاق لشيء أفضل.
وربما لهذا السبب، أصبحنا نلمس الإنجاز في تفاصيل صغيرة قبل أن نراه في الأرقام والتقارير، نختصر وقتاً كان يضيع، ونحصل على خدمة بسهولة أكبر، ونجد خيارات أكثر مما كانت متاحة في السابق؛ قد تبدو هذه أموراً عادية، لكنها في الحقيقة نتيجة عمل طويل لا يراه معظم الناس.
وخلف كل مشروع ناجح، هناك فِرق تعمل بصمت، لا تبحث عن الظهور، بقدر ما تبحث عن أن ينجح العمل، وربما هؤلاء هم الأبطال الحقيقيون في كل قصة نجاح، لأن أثرهم يظهر في حياة الناس أكثر مما يظهر في الصور والعناوين.
الفكرة وحدها لا تصنع فرقاً، الذي يصنع الفرق هو الإصرار على تحويلها واقعاً، ثم عدم الاكتفاء بذلك، بل الاستمرار في تطويرها، وعندما تصبح هذه الثقافة جزءاً من طريقة العمل، فإن الإنجاز لا يكون حدثاً عابراً، بل أسلوب حياة.
لهذا، لا أرى أن سرّ نجاح المشاريع في الإمارات كثرتها، بل قدرتها على أن تتحول من مجرد أفكار إلى أثر حقيقي يلمسه الناس، ويشعرون به، ويعيشونه كل يوم.
