قبل أن تتحول المطابخ إلى استوديوهات تصوير، وقبل أن يصبح إعداد الطعام محتوى يحصد ملايين المشاهدات، وابتكارات تثير الدهشة، كانت الجدّات يصنعن أطباقهن بهدوء واتقان تعتمد على المكونات المتوفرة محلياً والمواسم الزراعية أو البحرية، وغالباً ما كانت تتميز بالبساطة والقيمة العذائية العالية وإن كانت تختلف من بلد لآخر لكنها تحمل في مذاقها رائحة الحقول والشواطئ والجبال وذاكرة المواسم وهوية وطن.
لم تكن تلك العملية مجرد إعداد للطعام، بل كانت جزءاً من هوية المكان ووصفة تعبر من جيل إلى جيل كما تعبر الحكايات والأغاني والأمثال الشعبية. وكان الأطفال يكبرون وهم يربطون مذاق اللبنة بصوت الجدّة، ورائحة الخبز الساخن، وأحاديث المساء في باحات البيوت.
لهذا السبب لا يمكن النظر إلى الطعام باعتباره مجرد مكونات تخلط معاً، فالطعام في جوهره ذاكرة وسجل ثقافي غير مكتوب يحفظ تاريخ الناس وعلاقتهم بأرضهم وبيئتهم وحياتهم اليومية.
لكنه اليوم، وفي زمن وسائل التواصل الاجتماعي، أصبح من الممكن أن تظهر وصفة عمرها مئات السنين في مقطع قصير لا يتجاوز دقيقة واحدة، وأن تقدم للعالم على أنها اكتشاف جديد أو فكرة مبتكرة لم يعرفها أحد من قبل. ويتفاعل الملايين من الشباب مع الفكرة بوصفها تجربة حديثة أو اكتشافاً استثنائياً بينما يدرك أبناء كثير من المجتمعات العربية أن ما يشاهدونه ليس سوى ما صنعته جداتهم منذ زمن بعيد.
وهنا يبرز سؤال مهم، ماذا يحدث لهوية الطعام عندما ينتزع من جذوره ويعاد تقديمه تحت أسماء جديدة؟، قد تبدو الوصفة في ظاهرها مجموعة خطوات بسيطة، لكن الحقيقة أنها تمثل خلاصة قرون من الخبرة الإنسانية.
إن ما يحدث اليوم أن الوصفة لا تزال موجودة، لكن قصتها تختفي. وليس هناك مشكلة في أن يتعلم شخص في أقصى العالم إعداد طبق عربي أو آسيوي أو إفريقي، بل إن هذا التبادل الثقافي يمثل أحد أجمل أشكال التواصل بين البشر لكن المشكلة تبدأ عندما تختفي الإشارة إلى الأصل وعندما تتحول الوصفة إلى منتج بلا جذور وينسب الطعام إلى جهة لم تكن جزءاً من قصته التاريخية وفي هذه الحالة لا يعود الأمر مجرد مشاركة ثقافية، بل يصبح نوعاً من إعادة كتابة التاريخ بطريقة تمنح الشهرة لمن يملك المنصة، لا لمن صنع الإرث.
إن الخوارزميات لا تهتم كثيراً بالدقة التاريخية والهوية بل تهتم بالتفاعل ولكن يحق للأجيال معرفة تاريخها والمصدر الحقيقي للطعام من خلال توثيق الأطعمة تاريخياً، وربطها بمناطقها الأصلية، وتسجيل بعض المنتجات ضمن التراث الثقافي غير المادي.
