الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

الخصوصية الثقافية

12 يوليو 2026 00:05 صباحًا | آخر تحديث: 12 يوليو 00:05 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
على الرغم من تيار العولمة والعصرنة والحداثة القوي والطاغي، والذي يبدو كمحيط هادر يريد أن يختزل كل التيارات الفكرية والثقافية الأخرى، فإن هناك نزوعاً قوياً من قبل مختلف شعوب العالم للتمسك بالخصوصية الثقافية. خاصة في مجالات الكتابة الأدبية والفنون، والمناسبات الكبرى، وربما في الممارسات اليومية، وذلك ما يطلق عليه علماء الاجتماع «مفارقة العولمة». فكلما تمدد نفوذ العولمة وثقافة الاستهلاك، جنحت المجتمعات نحو إحياء هويتها الخاصة، خوفاً من الذوبان في ثقافة أشمل.
في هذا العالم الذي يريد أن يصبح شيئاً واحداً بسمات واحدة، فإن الجماعات والشعوب لا تريد أن تصبح نسخاً متكررة داخل نمط واحد بحيث تهيمن ثقافة واحدة. لذلك، نجد أن الجنوح نحو إبراز الخصوصية يظهر حتى في المناسبات التي تجمع العديد من البشر المختلفين مثل بطولة كأس العالم لكرة القدم، والتي تتحول في كل مرة إلى مهرجان تبرز فيه الشعوب خصوصيتها الثقافية.
ولعل هذا العالم المضطرب بكل المقاييس يدفع البشر نحو البحث عن الأمان عبر العودة إلى الجذور والتقاليد، وسط عالم سريع ومتغير. كما أن المجتمعات المختلفة تعمل على إثبات وجودها كصانعة للحضارة وليست كمستهلكة لقيمها ومنتجاتها. ولعل واحدة من أدوات هذه النزعة في الحفاظ على الخصوصيات، هو استغلال منتجات العولمة نفسها، من خلال توظيف التكنولوجيا الحديثة، والثورة الرقمية، من أجل نشر مفردات التراث الشعبي واللغات المحلية.
وتبرز مظاهر التمسك بالهوية والموروث من خلال إحياء الاهتمام بالتقاليد القديمة واللغات الأم، المهددة بالتلاشي والانقراض. ويتعزز هذا إلى درجة التحول إلى أيديولوجيا شعبية، فالأزياء التقليدية، والأطعمة، تتحول من كونها مجرد «ملبس ومطعم» إلى رموز للهوية والخصوصية في المناسبات الدولية. بما في ذلك الأدوات الموسيقية والممارسات الاجتماعية المختلفة، إذ تكتسب في كل بلد أبعاداً مختلفة. وحتى في السينما، تكثر الأعمال التي تناقش قضايا محلية، وكأنها تريد أن تشكل منصة ذات استقلالية تبتعد عن هيمنة المنصات الكبرى مثل «هوليوود» وغيرها. 
ومن المفارقات أن هذا التوجه ليس حكراً على الدول النامية والفقيرة، بل إن الشعور بالقلق الثقافي يذهب إلى مراكز العولمة والبلدان الغنية في شمال أمريكا وأوروبا وبعض بلدان آسيا، إذ إن هناك تمسكاً بالخصوصية، كرد فعل مباشر على الهجرة والشعور بتآكل السيادة المحلية.
هذه الدول تقف خلف خطابها الذي يطالب بحماية الهوية الثقافية والسيادة الوطنية، وهو خطاب يجد قبولاً من قبل قطاعات كبيرة ومؤثرة، باتت تشعر بالتهديد الثقافي.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة