الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

غراب يبني عُشّه تحت قبّعة

17 يوليو 2026 00:38 صباحًا | آخر تحديث: 17 يوليو 00:39 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
سعدت باستعارة مؤلفات جبران خليل جبران المعرّبة عن الإنجليزية (المجموعة الثانية) من الزميلة جاكلين، القارئة المحترفة لصاحب «دمعة وابتسامة» التي قرأتها حين كنت مراهقاً في الإعدادية أو أوائل الثانوية العامّة، وقد نصحتني جاكلين بإعادة قراءة جبران كلّه: «إذا أردت ان تكون لغتك لغة الماء دائماً»، وكان أوّل ما شدّني في القراءة الجديدة لجبران الذي كان يرسم بالكلمات قبل نزار قباني هذه القطعة عن الخوف..يقول في قطعة له بعنوان «اللعين» واللعين هو الشاخص الذي ينصب في هيئة الرجل بين الزرع لطرد الوحوش، «قلت مرّة للّعين: أَلَمْ تسأم نفسك الإقامة في هذا الحقل وحيداً، منفرداً، فأجابني قائلاً: إنّ لي في التخويف لذةً لا يُسبَر غورها، ولذا، فإني راضٍ عن عملي ولا أملّه، ففكرت، هنيهة ثم قلت له: بالصواب أجبت، فإنه قد سبق لي فخبرت هذه اللذة بنفسي، فأجابني قائلاً: إنك واهمٌ يا هذا، فإن هذه اللذة لا يعرف طعمها إلّا من كان محشواً بالقش مثلي، فتركته، إذّاك، وانصرفت وأنا لا أدري هل مَدَحني أم تنقّصني، ثم، انقضى عامٌ صار اللعين في أثنائه فيلسوفاً عَلّامة، وعندما مررتُ به ثانيةً رأيتُ غرابين يبنيان عُشّاً تحت قبّعته».
ويا ترى، كم من الشواخص المنصوبة في هذا العالم التي تملأ حياتنا بالذعر والخوف، فيما هي في حقيقتها ليست سوى فزّاعات محشوة بالقش لا تلبث أن تعشش فيها الغربان؟
كتب جبران على لسان الطير والحيوان، وهو حقل رمزي، مجازي أوّل عباقرته الجاحظ، وآيسوب، والإخوة غريم، غير أن حكمة جبران لها مذاقها الخاص، لأن الشاعر فيه يتناغم مع الناثر، والناثر يستعير من الرسّام، والرسّام يستعين بالفيلسوف. يقول في قطعة صغيرة له بعنوان الثعلب «خرج الثعلب من مأواه عند شروق الشمس، فتطلّع إلى ظلّه منذهلاً وقال: سأتغدّى اليوم جَمَلاً، ثم، مضى في سبيله يفتش عن الجِمال الصباحَ كلّه، وعند الظهيرة تفرّس في ظله ثانية وقال مندهشاً: بلى، إن فأرةً واحدةً تكفيني».
ودائماً، دائماً، شكراً لشمس الله وشمس البشر، فهي التي تمدّد الظل، وهي التي تقلّصه، ويا ليت الإنسان لا ينظر إلى ظلّه، ويأبى دائماً أن يكون ظلاً لأحد؛ كي لا يكتفي آخر أمره بمجرد فأرة.
أخيراً، إليك هذه القطعة الجبرانية الثالثة بعنوان «القفصان». يقول:«كان في حديقة أبي قَفَصان، وكان في أحدهما أسد أحضره عبيد أبي من براري نينوى، وفي القفص الثاني زرزور غِرّيد لا يملّ الإنشاد، وكان الزرزور يأتي في كل فجر إلى الأسد، فَيُحيّيه قائلاً له: عم صباحاً يا أخي السجين».

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة