الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

تركيا.. وسباق النفوذ في لبنان

17 يوليو 2026 00:01 صباحًا | آخر تحديث: 17 يوليو 00:02 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
بين بوابة سوريا وصراع الشرق الأوسط وإعادة موازين القوى، لم يعد لبنان ساحة تنافس بين إيران والدول العربية والغرب فقط، بل بدأ اسم جديد يفرض نفسه.. تركيا. فمنذ التحولات الكبرى التي شهدتها سوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد، لم تعد أنقرة تنظر الى لبنان باعتباره دولة مجاورة لسوريا فحسب، بل باعتباره الحلقة التالية في إعادة تشكيل توازنات المشرق العربي.
الحضور التركي يبدو اليوم أقل بكثير من النفوذ الإيراني، والغربي، والخليجي. لكن المؤشرات، السياسية والاقتصادية والعسكرية، توحي بأن أنقرة تعمل على بناء نفوذ طويل الأمد يعتمد على أدوات الدولة والقوة الناعمة، أكثر مما يعتمد على التدخل المباشر. تركيا اليوم، وبعد سقوط نظام الأسد أصبحت واحدة من أكثر الدول تأثيراً في سوريا. فهي تمتلك علاقات وثيقة مع القيادة السورية الجديدة، كما أنها لاعب رئيسي في ملفات إعادة، الإعمار، والطاقة، والأمن.
هذا النفوذ يمنح أنقرة استراتيجية لا تمتلكها أي دولة أخرى. إذ تستطيع أن تنظر الى لبنان باعتباره امتداداً طبيعياً للمشهد السوري الجديد. كما أن دمشق وبيروت بدأتا، بالفعل، مرحلة جديدة من التعاون الأمني لترسيم الحدود، ومكافحة التهريب، وإنشاء لجان مشتركة، وهو تطور يمنح تركيا، بحكم تأثيرها في سوريا، هامشاً غير مباشر للتأثير في لبنان. وحينما نسأل: لماذا تريد تركيا نفوذاً في لبنان؟ لأن لبنان نافذة مهمة على البحر المتوسط. كما أنه جزء من معادلة الطاقة في شرق المتوسط، وهي المنطقة التي تخوض فيها تركيا، منذ سنوات، منافسة مع اليونان وقبرص، وعدة دول أخرى، حول ترسيم الحدود البحرية وموارد الغاز.
وجود تركيا كشريك، سياسي أو اقتصادي، في لبنان يمنحها موقعاً أفضل في ترتيبات مستقبلية تتعلق بالطاقة، وخطوط النقل، وموانئ شرق المتوسط. كما لا ننسى أن وجودها يخلق موازنة مع النفوذ الإيراني. أنقرة تدرك أن إيران بَنَت نفوذاً واسعاً عبر «حزب الله»، خلال العقود الماضية. لكنها لا تسعى لمواجهة مباشرة مع هذا النفوذ، بل الى خلق توازن جديد يمنحها موطئ قدم، داخل لبنان ومؤسساته، بحيث لا يبقى القرار اللبناني محصوراً بين النفوذ الإيراني، والأمريكي، والخليجي. تركيا ترى أيضاً أن هذا النفوذ مرتبط بأمنها، لأن الاستقرار في سوريا ولبنان مُتصل مباشرة بأمنها القومي.
ولتحقيق هذا الهدف يرى المراقبون أن أنقرة تعتمد في بسط نفوذها عبر أكبر مؤسسات الدولة من خلال دعم الجيش اللبناني. فلديها اتفاقات تعاون عسكري مع لبنان، وتؤكد أنها ستواصل ضمن مشاركتها في قوات (اليونيفيل)، دعم استقرار لبنان. يكتسب هذا الدور أهمية إضافية في ظل الضغوط الدولية الرامية الى تعزيز احتكار الدولة للسلاح. كما أنها قدمت المساعدات الإنسانية بعد انفجار مرفأ بيرت 2020، وكانت من أوائل الدول التي أرسلت فرق الإنقاذ والمساعدات. وهذا ما عزّز صورتها لدى شرائح واسعة من اللبنانيين.
وتركز «الوكالة التركية» التعاون والتنسيق على مشاريع تنموية في طرابلس وعكار، تشمل تطوير البنية التحتية، والمرافئ، والمشاريع الزراعية، والتعليم، وترميم بعض المباني التاريخية. ويكتسب هذا الاهتمام أهمية لكون طرابلس أقرب المدن اللبنانية الى سوريا، وبالتالي، يمكن أن تتحول الى نقطة وصل بين البلدين. كما تقدم تركيا آلاف المنح الجامعية سنوياً للطلاب الأجانب، بمن فيهم اللبنانيون، إضافة الى النشاط الثقافي، وهو يُعد أحد أهم أدوات القوة الناعمة التي تستخدمها أنقرة لبناء علاقات طويلة الأمد مع النخب الجديدة.
إن نفوذ تركيا الواسع في سوريا اليوم يمنحها مِنصة استراتيجية للتحرك نحو لبنان. وحينما نجد أن القيادة السورية تفتح قنوات تعاون واسعة مع لبنان، واستعداداً للحوار مع مختلف الأطراف، لا بد أن نلحظ التأثير التركي خلف المُبادرة.
أما القلق الخليجي وإن كان داعماً للحد من نفوذ إيران، لكنه يرتبط بطبيعة وحدود التدخل التركي، وبمدى قبول القوى الداخلية بتوازنات إقليمية جديدة في مرحلة تتغير فيها خريطة النفوذ في المشرق. إسرائيل من ناحيتها، ترى في أي توسع تركي في لبنان تهديداً، بسبب مواقف الرئيس التركي من سياستها، لكنها لا تمانع تدخل جماعات متطرفة، وهو ما يرفضه لبنان. إيران بدورها ترى في هذا التطور تحدٍّ، خاصة بعد خسارتها لنفوذها في سوريا. تتشابك المصالح، لكن التاريخ يقول: من يربح باب دمشق.. يستطيع أن يطرق نافذة بيروت.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة