حلم الكثير من الفلاسفة والمفكرين والأدباء في مختلف العصور والأماكن بالمدينة الفاضلة أو «اليوتوبيا»، وذلك منذ بداية التفلسف مع أفلاطون وحتى اليوم، وكانت تلك المدينة توظف دائماً للإجابة عن أسئلة يود نقاشها هذا الكاتب أو ذاك، واستمدت الكثير من ملامحها وصفاتها من المجتمع الذي يعيش فيه مبدعها.
بدأ حلم المدينة الفاضلة مع أفلاطون، الذي شيدها على الأفكار، فمن يحكمها لا بد أن يكون أحد الفلاسفة، والذي يمارس سلطته بأساليب تتوافق مع العقل والمنطق، ولعل ابتكار أفلاطون لتلك الفكرة قد أكسبها مذاقها اللاحق، فنحن أمام مدينة حتى لو كان الحيز المكاني الذي يتخذه الكاتب ليناقش أطروحته دولة، وذلك لأن قدماء الإغريق لم يعرفوا الدولة المركزية أو الإمبراطورية الممتدة، فقد عاشوا في مدن متناثرة، لا يجمعها رابط سياسي، تتميز كل منها بطابع خاص، فأثينا مدينة الفكر، وإسبرطة مدينة الحرب.. وهكذا، وكان أفلاطون في مدينته يبحث عن المكان الأفضل والأكثر سعادة.
جاءت «يوتوبيا» توماس مور، في القرن السادس عشر، بدورها خيالية، مدينة يسكنها مجموعة من البشر، وموازية للعالم الحقيقي، وتضع على طاولة الاختبار أسئلة المجتمع الإنساني، ومتأثرة إلى حد بعيد بواقع أوروبي لم يتخلص بعد من ظلام العصور الوسطى.
بعض الكتاب الآخرين وسعوا مفهوم «اليوتوبيا» واستخدموه بسخرية وفجروا طاقاته إلى أقصى مدى، فها هو الكاتب الإنجليزي ألدوس هكسلي، يكتب في عام 1931 روايته الشهيرة «عالم جديد شجاع»، ويصور فيها مستقبلاً يولد فيه البشر في المعامل بصفات خاصة بالإمكان التحكم فيها، أما البشر في هذا العالم فهم يعتقدون أنهم يعيشون في «يوتوبيا»، فائفة السعادة، ولكنهم في الحقيقة يفتقدون حريتهم، ليست حرية سياسية أو اجتماعية، ولكنها حرية الضمير والإنسان عندما يُسطح ويصبح مثل الآلة.
عربياً كتب أحمد خالد توفيق روايته البارزة «يوتوبيا» ليناقش فيها تحولات اجتماعية مفصلية، وتنقسم البلد أو المدينة، في الرواية، إلى شريحتين من السكان، الأولى من يملكون كل شيء، ويعيشون في أماكن مغلقة، ولا يتحلون بأي فضيلة إنسانية وهوايتهم الأساسية الخروج ليلاً لاصطياد بشر من الشريحة الثانية، أولئك المهمشين الذين يعيشون أسفل الأرض في ظروف لا إنسانية.
تحولت المدينة الفاضلة من «يوتوبيا»، ومعناها الحرفي اللامكان الحُلمي المثالي والفاضل، إلى «ديستوبيا»، أي مكان فاسد تسوده الفوضى والظلم والاستبداد والفقر، كانت مع أفلاطون فكرة تختبر أطروحات عقلية منضبطة، حتى أنه رفض أن يعيش الشعراء بتمردهم وجموحهم بين أركان مدينته، وكانت مع توماس مور عالماً يوازي العالم الحقيقي، حتى أن شخوصها أشبه بظلال للبشر الحقيقيين، وجاء هكسلي ليرسم صورة لمستقبل الإنسان في ظل تسارع الاكتشافات العلمية وتغوّلها، أما مدينة أحمد خالد توفيق فهي تفتقر إلى الشرط الإنساني الذي يجعلها قابلة للحياة أو حتى لكي نطلق عليها اسم مدينة.
الآن تعتبر «اليوتوبيا» فضاءً مثالياً لاختبار أوضاع عالم تتشابك فيه كل الأفكار السابقة، حيث يعيش البشر أسرى للتكنولوجيا الحديثة وتوابعها، وغرباء في ظل استلاب العولمة للروح والقيم الأساسية.
