السؤال اللافت الذي شغل معظم قادة دول حلف شمال الأطلسي وهم يستعدون لانعقاد قمتهم السادسة والثلاثين في العاصمة التركية «أنقرة» كان: هل سيحضر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هذه القمة أم سيعتذر؟ السؤال رغم بساطته، يكشف عن واقع أليم بات يهدد العلاقات الأوروبية - الأمريكية، نتيجة التشكك في جدية النوايا الأمريكية تجاه الحلف. هل يمكن أن يتخذ ترامب قراراً بالانسحاب الأمريكي من الحلف؟
الأوروبيون الذين كانوا أشد حماساً لاستمالة الرئيس الأمريكي نحو الحلف أدركوا أن هذا هو القرار الصائب، للبناء على ما تم إنجازه في قمة الدول الصناعية السبع (G-7) التي استضافتها فرنسا والتي اتخذ فيها ترامب موقفاً إيجابياً من الأزمة الأوكرانية ومن الرئيس الأوكراني، في وقت يأمل فيه الأوروبيون تنحية موقف ترامب من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أملاً في اتخاذ موقف أطلسي موحد داعم لأوكرانيا. لذلك كان الرهان أمام القادة الأوروبيين هو: كيف يمكن احتواء ترامب؟
والإجابة كانت بالتعويل على أدوار مهمة يمكن أن يقوم بها مارك روته الأمين العام للحلف القريب على المستوى الشخصي من الرئيس الأمريكي، وعلى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، طمعاً في ضمان حضور ترامب القمة أولاً، وفي أن تنعقد القمة بسلاسة دون تمكين ترامب من فرض مواقفه الخلافية مع الحلف، خصوصاً، أنه كان قد صرح بأنه: «من السخيف» استمرار الولايات المتحدة في علاقتها «الأحادية» مع حلف «الناتو».
يبدو أن الرهان على كل من روته وأردوغان كان موفقاً، فقد أظهر ترامب اهتماماً ملحوظاً بالرئيس التركي وأعلن أنه سيدرس بيع طائرات «إف -35» إلى أنقرة، ودافع عن أردوغان في وجه انتقادات إسرائيلية، كما أعلن أنه «حضر القمة لأن أردوغان هو المضيف»، رداً ربما على الحفاوة المبالغ فيها التي أظهرها أردوغان خصيصاً في استقباله.
في هذه الأجواء المشجعة كانت هناك تساؤلات مهمة تسيطر على أجواء قمة أنقرة: أول هذه التساؤلات هل يمكن أن تدشن هذه القمة مرحلة جديدة في تاريخ الحلف؟ وهل ستبقى عضوية أمريكية فاعلة بالحلف؟ وما الملفات التي ستحسم الإجابة عن هذين التساؤلين؟
البيان الصادر عن هذه القمة الذي حمل اسم «إعلان أنقرة» قدم إجابات مهمة بهذا الخصوص، حيث استطاعت هذه القمة تأمين بقاء الحلف والحيلولة دون انفراطه إذا كانت الولايات المتحدة قد قررت الانسحاب منه، حيث كانت القمة مطالبة بحسم أمر الوجود الأمريكي بالحلف، الأمر الذي أمَّن استمرارية جديدة للحلف في وقت كان مهدداً فيه بالانفراط.
كما أن البقاء الأمريكي في الحلف جاء ضمن تصور مستقبلي جديد للحلف يُعيد تقسيم المهام بين أوروبا وكندا من ناحية والولايات المتحدة من ناحية أخرى، وذلك بالأخذ بمفهوم جديد حمل اسم «الناتو 3.0»، ويعني الدفع بالحلف نحو مرحلة جديدة من تاريخه تقوم على إعادة التوازن في المسؤوليات الأمنية بين ضفتي الأطلسي، فبدلاً من قيام الولايات المتحدة بمهمة الدفاع عن أمن الدول أعضاء الحلف، تقرر أن تقوم الأطراف الأوروبية بدور أكبر في المسؤولية الدفاعية، من خلال الإنفاق المخصص للشؤون العسكرية وتعزيز القدرات العسكرية وأن تتولى الولايات المتحدة مسؤولية تأمين المظلة النووية للدفاع عن الشركاء الأوروبيين، ما يعني قبول هؤلاء الشركاء بتحمل نصيب أكبر من الأعباء.
وفي مقابل هذا الالتزام الأوروبي نجح الأوروبيون في تجديد الالتزام بمبدأ «الدفاع الجماعي» بموجب المادة الخامسة من المعاهدة المؤسسة للحلف، وشددوا على أن «أي اعتداء على أحد الحلفاء هو اعتداء على الجميع».
التأكيد الأوروبي على هذا المبدأ جاء رداً على تجديد ترامب رغبته في ضم جزيرة «غرينلاند» إلى الولايات المتحدة، الأمر الذي جدد انتقادات ترامب للحلف، ودفعه لإعادة توجيه انتقادات لاذعة للشركاء الأوروبيين.
القمة لم تتوقف عند هذا الحد بل وفرت دعماً مالياً كبيراً لأوكرانيا، وأكدت أن روسيا هي «المصدر الأساسي للتهديد»، وتقدم الرئيس الأمريكي خطوات في هذا الاتجاه بإعلانه أن واشنطن ستمنح أوكرانيا «ترخيصاً لتصنيع منظومات الدفاع الجوي» (باتريوت)، الأمر الذي أشاع جواً جديداً من التفاؤل بمستقبل الحلف عبَّر عنه مارك روته بأن «الناتو ينجز»، كما عبَّر عنه المستشار الألماني فريدريش ميرتس بأن القمة «ساهمت في إبقاء الحلف متماسكاً ».
تفاؤل أوروبي لافت، لكنه سيبقى محكوماً بالتوجهات الحقيقية للرئيس الأمريكي من الحلف.
