الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

أوكرانيا.. إعادة ترتيب الأوراق

18 يوليو 2026 00:08 صباحًا | آخر تحديث: 18 يوليو 00:08 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
تبدو رياح التغيير التي تهب على أروقة الحكم في كييف هذه الأيام، أكثر من مجرد تعديل وزاري تقليدي لتسيير الأعمال، بل هي محاولة لإعادة تموضع استراتيجي شامل في لحظة فارقة من عمر الأزمة التي تجاوزت عامها الرابع.
موافقة البرلمان الأوكراني على تعيين سيرغي كوريتسكي، رئيس مجموعة «نافتوغاز» للطاقة، رئيساً للوزراء خلفاً ليوليا سفيريدينكو، تكشف عن عمق التحولات السياسية والعسكرية التي تحاول القيادة الأوكرانية التكيف معها، في ظل تعقيدات ميدانية ودبلوماسية متزايدة.
يقف الرئيس فولوديمير زيلينسكي اليوم أمام استحقاقات بالغة الحساسية، حيث لم يعد الصراع العسكري وحده هو المحدد لمستقبل البلاد، بل باتت القدرة على الصمود الداخلي وتأمين الدعم الخارجي حجر الزاوية في استراتيجيته الجديدة. ومن هنا، جاء اختيار كوريتسكي، الخبير في قطاع الطاقة الحيوي، ليعكس رغبة واضحة في تحصين البنية التحتية للاقتصاد الأوكراني، خاصة بعد الهجمات الشديدة التي استهدفت شبكات الطاقة وألقت بظلالها على الشتاء الماضي، فالطاقة لم تعد مجرد ملف خدمي، بل تحولت إلى عصب الأمن القومي وأداة رئيسية للصمود الشعبي.
لكن هذا التعديل لا يخلو من هزات ارتدادية في الشارع والجيش، إذ أثار خروج وزير الدفاع ميخايلو فيدوروف، الذي بنى سمعة قوية كمصلح ومحدث للمؤسسة العسكرية، موجة احتجاجات في مدن رئيسية ككييف ولفيف.
هذا الحراك الشعبي والتململ في بعض مفاصل القوات المسلحة يسلط الضوء على تحدي التوازن الصعب بين القرارات السياسية العليا والحفاظ على معنويات الجبهة الداخلية، لاسيما في وقت تسعى فيه كييف لتجنب أي حالة عدم يقين قد تستغلها روسيا لمصلحتها.
وعلى الصعيد الخارجي، تندرج هذه التغييرات ضمن رغبة أوكرانية معلنة لإعادة صياغة الدبلوماسية الدولية. فالانتقال المرتقب لسفيريدينكو إلى ملف إدارة العلاقات مع الشركاء الغربيين، والحديث عن توطين صناعة الدفاع كمنظومات «باتريوت» وفتح قنوات حوار متوازنة مع القوى الإقليمية والدولية بما فيها الصين، يشير إلى أن كييف تبحث عن مخارج سياسية أوسع نطاقاً، لذا فإنها تحاول بناء شبكة أمان دبلوماسية واقتصادية جديدة تتجاوز الترتيبات التقليدية السابقة، وتواكب المتغيرات الدولية في المواقف والتحالفات.
هذه الديناميكية السياسية الجديدة تضع القيادة الأوكرانية أمام اختبار حقيقي لإثبات قدرتها على الموازنة الدقيقة بين متطلبات الصمود الداخلي وضغوط الواقع الدولي المتحول، فالأيام المقبلة لن تختبر فقط مدى كفاءة التشكيل الحكومي الجديد في إدارة ملفاته الحيوية، بل ستكشف عن مدى نجاعة هذه الاستراتيجية المحدثة في صناعة فارق حقيقي وملموس.
في نهاية المطاف، يظهر المشهد الأوكراني كمن يسير فوق حبل مشدود، حيث تتشابك التطلعات لإصلاح الداخل وتأمين الطاقة مع ضرورة الحفاظ على تماسك المؤسسة العسكرية وفتح مسارات تفاوضية ودبلوماسية مرنة.
ويبقى السؤال المطروح: هل تنجح هذه الوجوه الجديدة في صياغة معادلة تضمن لكييف عبور العاصفة، أم أن عمق الأزمة وتشابكاتها الدولية سيبقيان التحدي الذي يعوق أي استراتيجية جديدة؟
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة