لم يكن الهجوم الصاروخي الروسي الأخير على العاصمة الأوكرانية كييف، والذي وصف بالأعنف منذ اندلاع الأزمة، مجرد جولة جديدة في سجل العمليات العسكرية المتبادلة، بل جاء ليعكس تحولاً استراتيجياً عميقاً في مسار الصراع، حيث باتت الخطوط الحمر تتلاشى تدريجياً أمام منطق القوة وفرض الأمر الواقع، لتتحول المدن إلى ساحات تصفية حسابات سياسية كبرى.
لقد بدا واضحاً أن الاستراتيجية الروسية الراهنة تعتمد على تكثيف الضغط الجوي الشامل باستخدام مئات الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، في محاولة واضحة لإنهاك منظومات الدفاع الجوي الأوكرانية واستهداف البنى التحتية للطاقة والمنشآت الحيوية. ومثل هذا التكتيك العسكري لا يهدف فقط إلى تحقيق مكاسب عسكرية مباشرة في الميدان، بل يسعى إلى إحداث هزة عنيفة في الحاضنة الشعبية، وفصل المجتمع المدني عن قيادته وجيشه لإضعاف جبهة الصمود الداخلية.
في المقابل، تبرر موسكو هذا التصعيد العنيف بأنه رد فعل مباشر ومشروع على الهجمات الأوكرانية المتزايدة بالطائرات المسيّرة بعيدة المدى التي طالت منشآت نفطية وعسكرية داخل العمق الروسي، وهو ما يضعنا أمام معادلة صفرية معقدة من «الردع والردع المضاد» لا تلوح في أفقها القريب أيّ فرصة حقيقية للتهدئة أو التراجع.
أمام هذا المشهد الدامي، يجد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي نفسه في موقف بالغ التعقيد، إذ يتأرجح خطابه السياسي والإعلامي بين التوعد بالرد الحتمي لرفع معنويات الجبهة الداخلية، وبين إطلاق نداءات استغاثة متكررة إلى المجتمع الدولي والحلفاء الغربيين، وتأكيده المستمر على أن التصدي للصواريخ الباليستية الروسية يظل أمراً مستحيلاً من دون تدفق مستمر وسريع لصواريخ منظومة «باتريوت» الاعتراضية، وهو ما يكشف بوضوح عن حجم الفجوة التسليحية الكبيرة والاعتماد المطلق لكييف على الدعم الخارجي لاستمرار صمودها، في حين أن التحركات الدبلوماسية والاتصالات المكثفة مع القادة الأوروبيين لم تعد كافية لوقف نزيف الميدان، ما دفع الخارجية الأوكرانية للمطالبة بقرارات دولية حاسمة تتجاوز لغة الإدانة والاستنكار التقليدية إلى خطوات عملية ملموسة على الأرض.
خطورة المشهد الراهن تكمن في أن كلاً من موسكو وكييف باتتا أسيرتين لخيار التصعيد المستمر والرهان على كسر إرادة الآخر، فروسيا ترى في تفوقها الجوي وسيلة لإجبار خصمها على تقديم تنازلات سياسية وجغرافية كبرى، بينما ترى أوكرانيا في أي تراجع استسلاماً كاملاً يلغي سيادتها الوطنية ووجودها كدولة مستقلة.
ووسط هذا الصدام الإراداتي العنيف، تزداد الحصيلة البشرية والمادية ازدياداً، ويغدو السكان هم الحلقة الأضعف الذين يدفعون الثمن الأكبر من دمائهم واستقرارهم تحت وطأة الركام والدمار.
وفي المحصلة، فإن استمرار الحرب بهذه الكثافة النارية والدمار الواسع يثبت أن الحسم العسكري المطلق ما زال خياراً بعيد المنال لكليهما، وأن غياب الرؤية الدبلوماسية المشتركة سيجرّ المنطقة والعالم بأسره نحو أتّون حرب استنزاف طويلة ومفتوحة على كافة الاحتمالات الكارثية والمجهولة.
