هل نُسارع أحياناً إلى البحث عمّن نُلقي عليه مسؤولية التقصير، تهرُّباً من «كُلّكم راعٍ»؟ ألا نظلم أنظمة التعليم عندما نُحمّلها أوزار العثرات في كلّ الميادين؟ هل من حرج إذا انبرت للتربويين شطحة الغرض منها دعوتهم إلى تغيير النموذج الفكري، الذي ينظرون من خلاله إلى الدارسين؟ المسألة حمّالة أوجه، أدهاها أن تقول لصانعي الأجيال: الأوضاع تستدعي تغيير ما بأنفسكم. لقد وجدتم أسلافكم التربويين على مناهج، وإنكم عليها سائرون. سيكون ردّهم: القطار يسير، والعصافير تزقزق.
أمّا مقترح تطوير الذهنية التربوية، ففي العقدين الماضيين طرح القلم مراراً في هذا العمود، الشطر الأوّل من الطرح، ومفاده أن على أنظمة التعليم ألاّ تنظر إلى الطفل الذي يطأ عتبة المدرسة للمرّة الأولى، كصغير لا يعرف شيئاً، وأن على المعلم ألاّ يرهقه بأكثر من «بابٌ، بقرٌ، جلجلٌ، جملٌ». نحن في عصر الخوارزميات وطموح الآلة إلى التفوق على الذكاء البشري. نحن في زمن العلوم العصبية التي غزت كل المجالات، ولا يدوّخها شيء ككتلة الجمجمة، التي هي أعظم حاسوب في الكون. ذلك الصبي في دماغه 86 مليار خلية عصبية، بينها 86 تريليون تشابك عصبي. على المناهج أن تقفز قفزةً مجنّحةً إنقاذاً للعرب. على أنظمة التعليم أن تعيد النظر جذرياً في المناهج تسلسلاً من الابتدائية، إذا تعذر التأسيس منذ الحضانة.
النصف الحلو من قضية تطوير الذهنية التربوية، هو البناء على العدد النجومي من الخلايا العصبية وتشابكاتها في الدماغ، والنظر إلى الحاسوب الإلهي المستتر في الجمجمة، نظرةً حضاريةً كونيةً لا تجزيئية فيها. دماغ الصبي هو ذلك الحاسوب الجبار الذي أبدع روائع الشعر والنثر في كل اللغات والثقافات والحضارات عبر التاريخ. هو ذلك الذي أسس الرياضيات والفيزياء والفلسفات والعلوم. هو واضع كل نظريات الفكر والسياسة والاقتصاد والاجتماع والنفس. هو الذي أمتع الإنسانية ببدائع الفنون، وأحيا المهج بفراديس العرفان والتصوف. هو الذي ابتكر الزراعة والصناعة والنجارة والحدادة. هو الذي وضع القوانين والدساتير. هو الذي اكتشف النار وأوصلها إلى المعرفة النووية. يستحق النظر إليه كمجرّة إبداعات.
لزوم ما يلزم: النتيجة الاحترامية: على المدارس أن تُنشد في بدء السنة الدراسية: قف للدماغ ووفّهِ التبجيلا.
