الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

معنى للمنجز الأدبي

19 يوليو 2026 00:32 صباحًا | آخر تحديث: 19 يوليو 00:33 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
تبقى الأسماء المطبوعة على أغلفة الكتب مجرد أرقام في تقرير لا أكثر بينما اسم واحد ربما أو اثنان سيقرآن بعد خمسين عاماً، كديوان بدر شاكر السياب الذي أعاد تشكيل الشعر العربي من جذوره لأنه كسر عمود الوزن التقليدي ونازك الملائكة التي قدمت نظرية كاملة عن الشعر الحر وإرنست همنغواي الذي غير طريقة كتابة الجملة في الرواية الحديثة فأصبح إيجازه مدرسة يحتذى بها.
هؤلاء وغيرهم لا يقاس منجزهم الأدبي بعدد النسخ المطبوعة ولا حتى بعدد الجوائز التي نالوها، بل بمدى بقائهم وتأثيرهم في الأجيال وبالمسارات الأدبية التي ما كانت لتفتح لولا أنهم مروا بها.
ويقودنا هذا إلى التحول الصامت في الوعي حين يقرأ إنسان ما جملة فيغير بها نظرته إلى نفسه أو إلى لغته، وهو أثر لا تلتقطه التقنية، لكنه المقياس الحقيقي الوحيد الذي يستحق أن نبني عليه فهمنا لمعنى «إنجاز أدبي».
وهذا بالتحديد ما تغفل عنه المقاييس التقليدية التي مازالت تضع الجميع في خانة واحدة، وكأن الكاتب هو من يضيف رقماً إلى قائمة وليس الذي يعيد كتابة القائمة كلها بفكرة.
المفارقة أن هذا النوع من القياس ولد ليكون أداة فهم، لكنه تحول مع الوقت إلى غاية بذاتها، فصار المنجز الأدبي يقاس بأعداد وأرقام بمعزل عن أسئلة من قرأ؟ ومن تأثر؟ ومن تغير؟ ومن غيّر ليصبح الرقم هو الحكاية؟ بينما القصة الحقيقية تقف خلفه فيضيع الفارق بين من كتب وبين من غير معنى الكتابة نفسها.
نحن لسنا بحاجة لتقارير تخبرنا عن ارتفاع عدد الكتب المنشورة أو انخفاضها وعدد المشاركين في الفعاليات، بل التي تخبرنا بأن كتاباً ما يتصدر نقاشات المجالس لأنه طرح سؤالاً يستدعي التفكير، وكاتباً ما استطاع أن يغير في الطرح وأن يأخذنا في التفكير إلى أبعد مما هو متوقع.
إن هذا لا يعني أن نتخلى عن فكرة القياس نفسها، بل أن نعيد صياغتها لزمن تغيرت فيه كل قنوات الحضور الثقافي، وحين ننظر إلى انتشار عمل ما، ينبغي أن نسأل إلى أي حد عبر عن لغته الأصلية؟ وكم مرة استشهد به في سياق غير الذي ولد فيه؟ وهل ترك خلفه أثراً يمكن تتبعه في نقاش عام؟
ولعل أول خطوة على هذا الطريق أن نبدأ بالسؤال عمن يستحق لقب كاتب من بين هؤلاء الذين أصدروا كتباً هذا العام، ومن منهم طرح فكرة ستبقى بعد رحيله ومن منهم أقام حواراً حقيقياً مع القراء ولم يكن مجرد حدث على برنامج أو خطة تنفيذية.
وحين نعيد صياغة أدوات القياس على هذا الأساس، لن نكتفي بأن نسأل كم كتاباً صدر؟ بل سنسأل كم كتاباً منها أعاد صياغة سؤال ظل معلقاً في فضاء المعرفة؟ وكم فعالية تركت أثراً يمكن تتبعه في نقاش وليس مجرد أرقام في تقرير ختامي؟
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة