الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

اكتب إذاً أنت موجود

19 يوليو 2026 00:13 صباحًا | آخر تحديث: 19 يوليو 00:14 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
في عام 1991 أُصيبت باولا ابنة الروائية إيزابيل الليندي بغيبوبة تامّة عن الوعي جرّاء مرض وراثي، وكما تقول، جرّاء الإهمال الذي تعرّضت له في العناية المركّزة، وبعد وفاتها، كانت الكتابة هي الشيء الوحيد الذي أبقى على الأم سليمة العقل (حياة الكتابة إعداد وترجمة: عبدالله الزماي).
تقول: «كل صباح كنت أسحب نفسي من السرير وأتجه إلى المكتب، أضيء الشمعة أمام صورة باولا، أفتح جهاز الكمبيوتر، وأغرق في البكاء. كان الألم في الغالب لا يُطاق، أحدّق في الشاشة لساعات، غير قادرة على كتابة كلمة واحدة، وفي أحيان أخرى، تتدفق العبارات كما لو أنها تُملى عليّ من الخلف. من باولا نفسها». وفي مكان آخر، وحول أثر الكتابة وقوّتها النفسية تقول إيزابيل الليندي: «لقد تعلمت يا أصدقائي، خلال العشرين سنة الأخيرة، أن الأمر المؤكد الوحيد، هو أن لا شيء أكثر من الكتابة يجعل روحي تغنّي، فالكتابة تجعلني أشعر أنني شابة، قوية، جَبّارة، وسعيدة».
وبالطبع، لا يعرف الماء إلا الظمآن، ولا يعرف الخبز إلا الجائع، وبالمقياس نفسه، لا يعرف الكتابة إلا شاعر أو روائي في مثل حساسية إيزابيل الليندي، أو غيرها ممّن يرون في الكتابة قوّة وسعادة.
لا يمكن لجنرال لا يعرف سوى الخرائط والسلاح أن يصف روح الكتابة كما وصفتها إيزابيل الليندي، ثم، ما شأن تاجر عقارات أو سمسار في السوق، أو قاتل مأجور، أو لصّ محترف بالكتابة؟ هؤلاء لا يسبب لهم هذا الفن هزّة أرضية كتلك التي يشعر بها شاعر مثل نيرودا، أو كاتبة مثل أليف شفق، أو ناثر مثل جبران، تلك العائلة المعاصرة التي تعود في أصولها السلالية إلى هوميروس، ودانتي، وفرجيل، وسافو، وأوفيد، وغيرهم من قواعد اللعبة الأجمل في التاريخ، وفي الحضارات.
هل الكتابة لعبة؟ هل هي تجربة؟ أو صدفة أو إرث أو مصلحة؟ لا، إنها مجموعة أرواح إن جاز الوصف، وليست روحاً واحدة، إنها روح الكاتب، وروح اللغة، وروح الحياة، وروح الكائنات التي تتكثف في قلب بشري صغير لا يلبث أن يتحوّل إلى دليل، وبوصلة، وطريق يوصل إلى الفردوس.
مرة ثانية، يجد الآخر الذي لا يكتب أو الآخر الذي يكتب ولكنه ليس حقيقياً بالمرة أن ثمة مبالغة في وصف الكتابة والتعلّق بها على هذا النحو الذي يشبه المرض، والكتابة فعلاً مرض، ولكنه، مرض العافية.
الكتابة مرض الحب، ومرض الصداقة، مرض الطهر والنظافة، المرض الملائكي الرمزي المجازي، الذي لا يصدّقه الآخر النائم في ذاته المغلقة.
الكتابة فوز، ونجاة، وخلاص. لها طعم ومذاق ورائحة ولون ونبض وصوت. كائن حيّ لغوي أو ثقافي أو فكري يعيش في كائن حيّ جسدي بشري. الكائن الأول: يُملي، والكائن الثاني: يكتب.
اكتب، إذاً، أنت موجود.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة