الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

لغتك هي هويتك

20 يوليو 2026 00:03 صباحًا | آخر تحديث: 20 يوليو 00:03 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
ثمة موضة صامتة تجتاح البيوت الخليجية: أبوان عربيان يخاطبان طفلهما بالإنجليزية، ويسمون ذلك استثماراً في المستقبل. وأسميه شيئاً آخر: تنازلاً مجانياً عن الهوية.
الطفل بإمكانه تعلم الإنجليزية في المدرسة، وعلى الإنترنت، وفي الأفلام، وفي كل مكان، فماذا عن العربية؟ العربية لن يتعلمها إن لم تعطه إياها أنت. لا أحد سيتطوع بها نيابة عنك، ولا مؤسسة ستحملها عنك.
وحين تتخلّى عنها داخل البيت، آخر معاقلها، فأنت لا تربي طفلاً ثنائي اللغة، بل تربي طفلاً بلا لغة حقيقية في العمق، طفلاً يجيد لغتين ولا ينتمي إلى واحدة.
تخيل معي هذا المشهد: جدَّة تحاول أن تتحدث مع حفيدها فلا تفهمه، وحفيد يحاول أن يتحدث مع جدَّته ولا يملك الكلمات.
هذه ليست مأساة لغوية، هذه مأساة إنسانية صنعها الأبوان بيديهما.
والدراسات واضحة: الطفل الذي لا تترسخ فيه لغة أمّ قوية لا يتقن في النهاية أياً من اللغتين بعمق حقيقي. يتكلم الإنجليزية بطلاقة سطحية، ويتكلم العربية بخجل واعتذار. لا هو من هنا ولا هو من هناك، وهذا الضياع يتجاوز اللغة إلى الروح.
والأمر أكبر من الكلام. اللغة ليست أداة تواصل فحسب، إنها الطريقة التي يفكر بها الإنسان، ويحلم، ويسمي مشاعره. والطفل الذي لا يملك عربية راسخة تغلق في وجهه أبواب القصيدة والآية والحكايات.
نحن أمة كتبت بهذه اللغة أعظم ما كتب، ثم صرنا نتحدث بها في بيوتنا وكأننا نعتذر عنها.
علِّم ابنك الإنجليزية والفرنسية والإسبانية إن شئت. افتح له من اللغات ما تشاء، لكن لا تسقط العربية من بيتك كأنها لغة متخلفة تستحق الإخفاء.
العربية ليست حنيناً إلى الماضي، إنها أول ما نورثه وآخر ما نملكه حين يضيع كل شيء آخر.
اللغة هي الهوية، والهوية هي الأساس الذي يقف عليه الإنسان حين تهتز الأرض من تحته.

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة