الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

«المحمدان».. وحكاية الطفلة الآمنة

7 سبتمبر 2026 00:18 صباحًا | آخر تحديث: 7 سبتمبر 00:18 2026
دقائق القراءة - 4
شارك
share
لأنها رسالة مكتوبة بمداد القلب فهي تدخله بسهولة منقطعة النظير. هي رسالة صادرة من قلب محب إلى قلب الوطن، ولذلك لامست عشقنا جميعاً لذلك الوطن.
تلك هي رسالة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، إلى أخيه صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله.
هنا نحن في حضرة «المحمدين»، أو ببساطة في حضرة الوطن، نتحرك من القلب إلى الروح أو العكس، فهما معاً قلب الوطن وروحه في الوقت نفسه.. نحن في حضرة رفقاء درب وبناة وطن وصناع نهضة وأصحاب رؤى، والأهم من ذلك أن محمد بن راشد في هذه الرسالة يدخلنا إلى حصن الأمان، إلى حصن محمد بن زايد، نستظل به ونتطلع إلى قبس من سيرته وإنجازاته، تلك السيرة التي باتت تحتاج إلى مرويات وسرديات، لخصها بوراشد في رسالته التي تدفعنا جميعاً إلى التفكير والتأمل والوقوف لحظة في حب محمد بن زايد، أو حب الوطن، لا فارق هنا بين وطن ورجل بحجم وطن.
نعم، نحن أمام رجل من أولئك الذين يقودون الأمم ويؤسسون لمستقبلها، رجل يكتب التاريخ ويرسم المستقبل، رجل هنيئاً لنا به.
ولعل أول ما يستوقفنا أن محمد بن راشد اختار هذه الرسالة لتكون الرسالة الأولى في الجزء الثاني من «علمتني الحياة». والترتيب هنا له دلالته، فعندما يضع رجل خبر الحكم والحياة والناس أخاه ورفيق دربه في مستهل ما علمته إياه الحياة، فإننا لا نقرأ مجرد تحية أو شهادة محبة، بل نقرأ خلاصة تجربة في رجل، وخلاصة وطن في سيرة.
وفي الرسالة صورة تستحق أن نتوقف عندها ملياً كتبها محمد بن راشد بعقل الفيلسوف: طفلة صغيرة تخرج من بيتها كل صباح إلى مدرستها، لا تعرف دهاليز السياسة ولا تعقيدات الاقتصاد، وتمضي في شوارع آمنة ووطن قوي، ثم تعود إلى بيتها وهي لا تدري حجم الجهد الذي بُذل كي يكون كل ذلك جزءاً طبيعياً من يومها، ما يجعل اختيار هذه الصورة تحديداً يقول الكثير.
فالدول العظيمة لا تقاس فقط بما تشيده من أبراج، ولا بما تحققه من أرقام، ولا بما تمتلكه من حضور سياسي واقتصادي، بل بذلك الإحساس الهادئ بالأمان الذي يسكن تفاصيل الحياة. أن يكبر الطفل آمناً، ويحلم الشاب بلا خوف، وتطمئن الأسرة إلى غدها، تلك ربما تكون الصورة الأصدق لنجاح الدول.
ومن هنا نفهم لماذا يرى محمد بن راشد أن من أعظم إنجازات أخيه زرع الثقة والأمان والتفاؤل في نفس طفلة.. إنها عبارة تختصر فلسفة كاملة في القيادة، فالإنجاز الحقيقي ليس ما يراه القائد حين ينظر من أعلى، وإنما ما يشعر به الإنسان في تفاصيل حياته، والأمن الحقيقي هو أن يصبح الأمن نفسه أمراً بديهياً، حتى إن الطفل لا يسأل كيف تحقق، لأنه وُلد فوجده وطناً يحتضنه.
ثم تأخذنا الرسالة إلى معنى آخر، حين يؤكد الشيخ محمد بن راشد أن الإنسان لا يُقاس بما يملك من صلاحيات، بل بما يتحمل من مسؤوليات. هنا نقترب أكثر من جوهر مدرسة الحكم في الإمارات، المنصب ليس امتيازاً، والسلطة ليست غاية، وإنما الأمانة هي الأصل، والإنسان هو الغاية.
لكن، جمال الحكاية لم يكتمل بالرسالة وحدها، بل اكتمل بالجواب عليها. فإذا كان محمد بن راشد قد كتب عن محمد بن زايد بلغة الأخ والرفيق والشاهد على المسيرة، فإن صاحب السمو رئيس الدولة رد من المكان ذاته: من القلب، ومن ذاكرة الطريق المشترك.
«أخي وصديقي ورفيق دربي وتاج راسي وعضيدي في السير على نهج زايد، بو راشد»، كلمات قليلة، لكنها تعيدنا إلى أصل الحكاية كلها: المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب اله ثراه. فمنه بدأ النهج، وعلى نهجه يمضي سموهما، وفي ظله تصبح الأخوة بينهما أكبر من علاقة شخصية، لأنها أخوة في حمل أمانة وطن واستكمال مسيرة المؤسسين والبناء عليها.
والأجمل أن صاحب السمو رئيس الدولة، وهو يتلقى شهادة أخيه فيه، يعيد الفضل إليه: «كل إنجاز إماراتي أنت أساس فيه». وكأننا أمام مرآتين، كل واحدة منهما ترى فضل الأخرى، ولا ترى ذاتها. محمد بن راشد يكتب عن إنجاز محمد بن زايد، ومحمد بن زايد يرد بإنجاز محمد بن راشد. وبين الشهادة والجواب تتجلى قيمة التجربة الاماراتية التي تتكامل من أجل الإنجاز.
وهنا نفهم «المحمدين» بمعنى آخر. ليسا فقط رفيقي درب، وإنما رفيقا أمانة، كلاهما يرى الوطن في الآخر، وكلاهما يستحضر زايد بوصفه البوصلة التي لا تغيب. ولذلك لم يكن غريباً أن ينتهي رد صاحب السمو رئيس الدولة بالدعاء أن يجعلهما الله دائماً عند حسن ظن وطنهما بهما.
تلك العبارة وحدها تختصر الكثير: بعد كل الإنجازات، وبعد كل ما تحقق، يظل حسن ظن الوطن هو المعيار، ونعود إلى طفلتنا الآمنة، وهنا تكتمل الحكاية: فالطفلة الآمنة لا تعرف أن خطواتها الصغيرة إلى المدرسة تختصر كل هذا الكلام الكبير، وربما لا تحتاج أن تعرف، يكفيها أن تكبر في وطن اسمه الإمارات.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة