الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

الترامبية في امتحان نوفمبر

7 سبتمبر 2026 00:17 صباحًا | آخر تحديث: 7 سبتمبر 00:17 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
لا يحتاج حزب مطمئن إلى قوته إلى أن يستعير حرارة الانتخابات الرئاسية في الانتخابات النصفية. لكن هذا ما يفعله الجمهوريون في دالاس: مؤتمر وطني لا يرشح رئيساً، لكنه يريد أن يصنع مزاجاً انتخابياً يسبق نوفمبر. ففي التاسع والعاشر من سبتمبر الجاري، يجتمع الجمهوريون في أول مؤتمر وطني للحزب في عام الانتخابات النصفية! ليضعوا مرشحيهم تحت الأضواء، ويحشدوا القاعدة، ويُحولوا إنجازات إدارة ترامب إلى رسالة انتخابية واحدة. يفتتح النائب جي دي فانس المؤتمر، ويختتمه الرئيس ترامب.
لكن اختيار دالاس ليس تفصيلاً. فتكساس، التي ظلت لعقود من أكثر القلاع الجمهورية رسوخاً، تدخل هذه المرة سباقاً سيناتورياً أكثر تنافسية مما اعتاده الجمهوريون، حتى دفعت الذراع السياسية المرتبطة بترامب عشرة ملايين دولار دعماً للمرشح الجمهوري. وهنا تبدأ المفارقة: حين تستدعي القلعة كل هذه التعبئة، فإن المؤتمر لا يبدو احتفالاً بالقوة، بل محاولة لتذكير القاعدة بأن القوة تحتاج إلى حماية.
ثم تأتي المفارقة الأهم: من سيأتي إلى دالاس؟ بحسب استطلاع «بوليتيكو»، قال 45 جمهورياً من أصل أكثر من 70 شملهم الاستطلاع إنهم لا ينوون المشاركة. فالحزب يريد أن يجعل ترامب عنواناً جامعاً، بينما يعرف بعض مرشحيه أن هذا العنوان قد يكون ثقيلاً في الدوائر الهامشية، من تداعيات حرب إيران إلى أسعار الطاقة والتضخم وتراجع شعبية الرئيس، كلها ملفات قد تجعل القرب من ترامب مكلفاً أمام ناخب متردد، خارج القاعدة الصلبة.
ولعل المرشح الجمهوري عن الدائرة السادسة في ولاية كنتاكي رالف ألفارادو يقول ما لا تقوله الخطب. فبعد أن حمل موقع حملته صورة ترامب وعبارات أمريكا أولاً، أزالها واستبدلها برسالة انتخابية تحمل عنوان «قيادة مستقلة لكنتاكي». لم ينسحب من عباءة ترامب، لكنه أرخى طرفها. ليست قطيعة، بل إدارة دقيقة للمسافة.
من هنا يأتي السيناتور الجمهوري تيد كروز ليقدم الوجه الآخر للمعادلة، إذ صرح بأن الحزب الديمقراطي يجري الاستيلاء عليه من الشيوعيين والإسلاميين، محذراً من صعود الماركسيين والإسلاميين داخل الحزب، ومقدماً ما وصفه بالتحالف الأخضر-الأحمر بين الإسلاميين واليسار الراديكالي. واصفاً زهران ممداني نموذجاً.
هنا تكمن وظيفة الخطاب: نقل المعركة من خلاف على البرنامج الانتخابي إلى معركة على هوية الخصم. فإذا كان بعض المرشحين الجمهوريين يحاولون تخفيف حضور ترامب حين يصبح عبئاً في الدوائر الهامشية، فإن كروز يفعل العكس: يحمل إلى تلك الدوائر المعركة التي خاضها ترامب، ويضع الديمقراطيين جميعاً تحت مظلة خصم واحد، الشيوعي، والماركسي، والإسلامي، والراديكالي. عندها لا يحتاج الحزب إلى أن يجعل كل مرشح نسخة من ترامب، يكفي أن يجعل خصم كل مرشح يبدو جزءاً من الخطر الذي حاربه ترامب. وهكذا تنتقل «الترامبية» من صورة الرئيس إلى صورة الخصم.
في الأثناء، لم يترك ترامب الاقتصاد خارج الهندسة الانتخابية بل كرر أن على واشنطن أن تمتلك أسعار فائدة من بين الأدنى عالمياً، والقرار بيد لجنة السوق المفتوحة لا بيد الرئيس، مع أن المعطيات الحالية لا تجعل خفضاً في سبتمبر أو أكتوبر أمراً مرجحاً. وهنا تصبح قيمة الفائدة سياسية قبل أن تكون نقدية: فإذا انخفضت، يستطيع الجمهوريون تسويق انخفاض كلفة بعض القروض والتمويل ودعم الأسواق بوصفه بداية انفراج اقتصادي، وإذا لم تنخفض، يستطيع ترامب تقديم نفسه باعتباره الرئيس الذي حاول تخفيف كلفة المعيشة، في مواجهة مؤسسة نقدية مستقلة، فتتحول الفائدة، حتى قبل أن تتحرك، إلى جزء من الرواية الاقتصادية التي سيحملها المرشحون إلى الناخبين.
وحتى قواعد الاقتراع دخلت حساب ترامب، فالرئيس لم يسع إلى إلغاء التصويت بالبريد بقدر إعادة رسم شروطه، وقد حقق مكاسب إجرائية مؤقتة رغم أنه استخدم التصويت بالبريد في انتخابات خاصة بفلوريدا في مارس! وفي 5 سبتمبر، حظرت المحكمة استخدام إدارة ترامب قاعدة بيانات اتحادية للهجرة للتحقق من جنسيات ملايين الناخبين قبل الانتخابات. وهنا تتسع المعركة: لم يعد السؤال من سيفوز؟ بل من يملك حق التحقق من أهلية الناخب؟ ومن يضع قواعد الوصول إلى الصندوق؟ وأين تنتهي سلطة البيت الأبيض وتبدأ سلطة الولايات والمحاكم؟
بين مؤتمر يستعير حرارة الرئاسة، ومرشحين يضبطون المسافة من ترامب، وخطاب ينقل المعركة من البرامج إلى هوية الخصم، واقتصاد وقواعد اقتراع يحاول الرئيس إدخالهما في ميزان نوفمبر، يتحرك الحزب الجمهوري في أكثر من اتجاه، لكنه يدور في فلك سؤال واحد: كيف يبقى ترامب حاضراً حين لا يكون على ورقة الاقتراع؟
قد يبدو ذلك تذبذباً لكنه في الحقيقة هندسة انتخابية: الاحتفاظ بترامب حيث تكون قوته، وتخفيف ظله حيث ترتفع كلفته.
غير أن نوفمبر سيختبر ما هو أعمق من عدد المقاعد: هل صارت الترامبية نهجاً حزبياً قادراً على العيش بصاحبه ومن دونه؟ أم أن الحزب الذي صعد تحت رايته سيكتشف أن أصعب المعارك تلك التي لم تبدأ بعد؟ وأعقدها قد لا يبدأ مع ترامب بل بعد ترامب، حين يتعلم الحزب أن يعيش بين الاثنين!
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة