عنوان فعالية احتضنها مركز المعارض في دبي وحضرها نحو خمسين ألفاً معظمهم من الفلسطينيين، لتصبح أكبر تجمع للجالية الفلسطينية في العالم.
لقد امتلأت وسائل التواصل الاجتماعي بالصور ومقاطع الفيديو لفقرات الفعالية التي تراوحت بين التراثية والفنية، وسط فرحة استثنائية رسمتها الإمارات على وجوه أفراد الجالية الفلسطينية، خاصة الشباب والشابات، الذين ولدوا وترعرعوا في الإمارات، ويكنّون مشاعر ولاء وانتماء ومحبة لها ولقيادتها الرشيدة.
وقد جاءت هذه الفعالية كردٍ مؤثّر على المشككين والمغرضين الذين يحلو لهم نشر شائعات لا أساس لها من الصحة، فالإمارات، بهذه الفعالية، تؤكد على ثوابتها تجاه القضية الفلسطينية، فهي مع إنشاء دولة فلسطينية مستقلة، ومع حق تقرير المصير للإنسان الفلسطيني، وأي كلام غير هذا يكون اصطياداً في المياه العكرة. وقد شاهدت أحد الشباب الإماراتيين وهو يتحدّث عن شائعة تقول إنه ممنوع رفع العلم الفلسطيني في الإمارات، ليتفضل من أشاع تلك الشائعة ويرى خمسين ألف علم مرفوعة في مكان واحد.
أعتقد أن الفعالية تتجاوز استضافة فرق فنية وتراثية فلسطينية، وتتجاوز عرض منتوجات وأزياء نحو البعد السياسي، فالفعالية تنقل رسالة للرأي العام العالمي ولكافة المنظمات العالمية وأطراف الصراع بأن ألإمارات كانت ولا تزال إلى جانب الحق الفلسطيني في تأسيس دولته المستقلة، وستبقى داعمة لهذا الحق وللشعب الفلسطيني في الإمارات وغير الإمارات.
وهذا الموقف متأصّل في مسيرة وسيرة دولة الإمارات، فمنذ تأسيس دولة الإمارات، تبنّى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، القضية الفلسطينية باعتبارها قضية مركزية للأمة العربية. ولم يقتصر دعمه على المواقف الخطابية، بل تجسّد في مشاريع عملية مثل بناء مساكن، وإنشاء مستشفيات، وتقديم مساعدات إنسانية مباشرة للفلسطينيين.
هذا النهج أسّس قاعدة أخلاقية وسياسية جعلت من الإمارات دولة حاضرة دائماً في مشهد الدعم العربي لفلسطين. ومع تولي المغفور له الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رحمه الله، قيادة الدولة، استمر النهج ذاته مع توسع في البعد الدبلوماسي. الإمارات في عهده عززت حضورها في المنظمات الدولية كداعم رئيسي للحقوق الفلسطينية، وأصبحت من أكبر المانحين للمساعدات الإنسانية لقطاع غزة، خاصة بعد الحروب المتكررة. هذا الدعم لم يكن مجرد استجابة للأزمات، بل سياسة ثابتة تؤكد التزام الإمارات بالبعد الإنساني للقضية.
أما في عهد صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، فقد واصل سموه مسار الدعم، مع تركيز خاص على دعم قطاع غزة الذي يعاني حصاراً وأزمات إنسانية مزمنة. وقد برزت الإمارات كأكبر مانح للمساعدات الإنسانية لغزة، عبر مشاريع استراتيجية لتعزيز صمود الفلسطينيين، وبعد 17 أكتوبر 2023 كثّفت الإمارات دعمها لقطاع غزة عبر عملية «الفارس الشهم 3»، حيث شكّلت نحو 47% من إجمالي المساعدات الواصلة للقطاع، شملت مشاريع مياه، غذاء، صحة، تعليم، وإيواء، واستفاد منها أكثر من 1.5 مليون شخص، إضافة إلى افتتاح مركزين طبيين في مواصي خان يونس وغزة، يستقبلان أكثر من 1500 مريض يومياً، ناهيك عن توزيع أكثر من 30 ألف خيمة و100 ألف غطاء على النازحين.
والجالية الفلسطينية تُعد من أكبر الجاليات العربية وأكثرها نشاطاً في الإمارات، وقد أسهمت في بناء المجتمع الإماراتي عبر التعليم، وتأسيس المدارس والجامعات، وعبر الصحة من خلال الحضور البارز للأطباء الفلسطينيين في المستشفيات والمراكز الصحية، وعبر الاقتصاد من خلال تأسيس الشركات والمؤسسات، وعبر الثقافة والإعلام، حيث أثرى كتّاب وصحفيون وفنانون فلسطينيون المشهد الثقافي والإعلامي الإماراتي.
في المقابل، عاش الفلسطيني في الإمارات مكرّماً من قبل الحكومة والشعب، ومنهم من يعيش في الإمارات منذ ما قبل إنشاء دولة الاتحاد، ولا يزال أبناؤهم وأحفادهم متمسكين بالعيش والعمل في الدولة التي منحتهم الأمن والأمان، وهم على استعداد للتضحية بالغالي والنفيس من أجل عزّة الإمارات وسعادتها.
نستطيع أن نملأ صفحات وصفحات عن الإمارات تحب فلسطين وفلسطين تحب الإمارات، صفحات كلها حب وسعادة وولاء وانتماء، لكن هناك، إضافة إلى ذلك، ذاكرة حيّة لدى الإنسان الفلسطيني الذي حضر إلى الإمارات قبل إنشاء دولة الاتحاد، وهي ذاكرة شبيهة بذاكرة المواطن من حيث المعاناة وصعوبة العيش في ذلك الوقت، والبعض كتب كتباً في هذا الجانب، والأجمل أن هؤلاء نقلوا محتوى الذاكرة إلى أبنائهم، وحين يتحدثون يفعلون ذلك كأبناء البلاد، حيث امتزج التراب بعرقهم ولفحهم هجير الصحراء حين كانوا يتنقلون فيها، وهي الذكرى ذاتها والإحساس بالشموخ ذاته، بأن هذه البلاد لم تنشأ من فراغ، هنالك قلوب امتلأت بالحب تماماً كأبناء البلاد، لذلك، لا تندهش حين ترى دموع سيدة تسيل على خديها وغصة تسكن حلقها وهي تغادر البلاد بسبب انتهاء عمل زوجها أو ما شابه.
وقد سأل أحد ضباط الجمارك سيدة تصارع دموعها وهي تختم جواز سفرها، فكان الجواب أنها تغادر الإمارات بشكل نهائي، وهي ذاهبة إلى الغربة! وهذه الأسر غالباً ما تعود وتواصل حياتها في الإمارات.
