يطيب للقارئ الصديق العودة، من وقت إلى آخر، إلى خرائط اللغة، إن جازت العبارة، في المعاجم والمصادر الأبجدية الأشبه بالمحيطات، وإليك، اليوم، حرف السين وبعضاً من تداعياته وتلوّناته الصوتية والإيقاعية في لغتنا العربية العبقرية، لغة الكناية، والاستعارة، والاشتقاق، والرمز، والمجاز، اللغة الغنائية التي ترقّص الحروف، وتستولد المعاني كأنها نهر أجمل البلاغيات.
إليك السين: السكّان: ذنب السفينة، والسَّلِبُ: الطويل، وابنا سمير هما الليل والنهار لأنه يُسمَرُ فيهما، والسماة: الصيادون، والسمير: الدهر، والسمراء: الحنطة، والمسموكات: السموات، والسَمُّ: الثقب ومنه سَمُّ الخياط، ومنه مسام الإنسان، والسماء: المطر، والسماء: ظهر الفرس.
الأسقف عند النصارى من السَقَفُ أي طولٌ في انحناء، وهو أسقف لأنه يتخاشع، وسقاط الحديث أن يتحدث الواحد وينصت له الآخر، فإذا سكت تحدث الساكت.
أما السبخُ فهو النوم والفراغ، والسِبدُ: هو الداهية، والسبط: ولد الولد، وسَحَفَ رأسه: أي حلقه، ورجل سدّاحٌ: أي كذّاب، والسّدِرُ: هو البحر، والسّدَف: هو الليل، والسّدَم: الندم والحزن، والسرأة: بيضة الجرادة، والسْربُ: الطريق، والمنسرح، الخارج من ثيابه، وهو أيضاً ضربٌ من العَروض، والسرد: تداخل الحلق بعضه ببعض، ورجلَ سفاكٌ أو رجل سَفّاحٌ: هو القادر على الكلام، والسَّفَرُ: بياض النهار.
السريرُ: هو مستقر الرأس في العنق وقد يُعَبَّرُ بالسرير عن الملك والنعمة، والسريس: الذي لا يأتي النساء والسرعوقة: المرأة الناعمة الطويلة، والسفير: ما سقط من ورق الشجر وتحاتَّ، وَسَلَتَ رأسه: حلقه، والسلجم: الطويل، والسلاس: ذهاب العقل، والسّلْغَدُ: الأحمق، ويقال: الذئب، والسلق: الذئب، والإسلال: الرشوة.
هذا غيضٌ من فيض «السين» فقط، أما التجوال في هذا الحرف في المعجم التاريخي للغة العربية و«الصحاح»، و«لسان العرب»، و«الوسيط»، وفي المعاجم الأخرى فهو تجوال في صوت الحرف، وإيقاعه، وتدرّج معانيه..
اخترت «السين»، على سبيل المثال لا الحصر، وكل حرف له شخصيته اللغوية، والجمالية، والمكانية بالنسبة لحلق الإنسان ولسانه وشفتيه، فضلاً عن الشخصية الخطوطية لكل حرف.
الخط عبقرية أخرى في لغتنا العظيمة التي تتميز عن كل لغات العالم بثرائها الاشتقاقي الذي لا ينضب.
قراءة المعاجم تحتاج إلى التأمل، والصبر، والتذوّق الذي ينضب هو الآخر.
