صفة الدفء التي أطلقت على صوت نجاة الصغيرة ليست صفة إنشائية، صدفوية (من الصدفة) بل هي حقيقة نفسية وبيولوجية إن جازت العبارة، والدفء كشعور، ليس نقيضاً للبرود فقط، بل، هو أيضاً صيغة وجدانية لا تحدّد إلّا بذاتها، وقد انفردت صاحبة «عيون القلب» بهذا الامتياز الوجداني، وأسميه هنا، الوجدان العربي العام، الذي تربّى عليه بشكل خاص جيل السبعينات من القرن الماضي.
لا ثرثرة، ولا خشخشة أو طقطقة في صوت نجاة الصغيرة، بل، هناك ماء يجري في عنقها، ويخرج من حنجرتها الصافية إلى البشر الذين ينتظرون الحب على قارعة الطريق، وإذ نجاة تمر من هناك، تبتسم، وتعطي هؤلاء (الغلابى) الذين لم تبخل عليهم سيدة الدفء لا بالصوت، ولا بالجمال.
نجاة الصغيرة ليست مغنية وحسب، بل هي جزء حميم من ظاهرة ثقافية عربية مصرية في مرحلة اجتماعية، وإعلامية، وصحفية، وسياسية هي من أجمل مراحل الذاكرة العربية، ولذلك، يأتي الاحتفاء بها في معرض أبوظبي الدولي للكتاب تكريماً لتلك المرحلة، وتكريماً للسيدة الراقية بذاتها، كما هو تكريم لجيلها الذهبي الذي شكل تكاملاً فنياً ثقافياً، أظنه لم يتكرر، ولن يتكرر في أي زمن عربي، إلا، ربما، بتشابهات واستنساخات طفيفة مثل صور الآلة الطابعة التي لا تشبه الأصل.
نجاة الصغيرة في أبوظبي هذا الأسبوع، وفي حضرة الكتاب العربي والعالمي ترمز بحضورها هذا إلى جوهر الفن الحقيقي، الصّافي، الراقي حين يتحوّل الغناء إلى ثقافة جمالية، وإنسانية، وروحية تدعو البشر إلى قيم المحبة، والنور، والتسامح، والرقة، تلك الرقة التي هي نقيض الغضب والعنف والغلظة وهي معاً حيثيات تجربة نجاة الصغيرة الغنائية، والسينمائية، والإنسانية بشكل خاص، وقد حافظت هذه السيدة المحترمة على تاريخها الفني والثقافي، وقدّمت للإنسان العربي هدية جميلة ملفوفة بحرير صوتها العذب.
نعم، الصوت العذب، إلى جانب الصوت الدّافئ، وبذلك يجلس المرء ويستمع، ويصغي ويتأمّل، وهو في قلب نجاة، ولكنه لا يرقص، ولا يهزّ وسطه على طبلة في شارع، لا يبتذل نفسه، ولا ينزل إلى حضيض أو قاع، لأنّ صاحبة الصوت هي صاحبة ثقافة رفيعة، ثقافة تقوم على الذوق والرقيّ وحضارة الكلمة، واللحن، والإيقاع.
تحية إلى نجاة الصغيرة، وتحية إلى تاريخها وزمنها، ومعناها الجمالي المقيم في أرواحنا العربية، وتحية إلى معرض أبوظبي الدولي للكتاب الذي يتيح لنا فرصة اللقاء ثانية بشبابنا السبعيني والثمانيني الذي غنّت له نجاة الصغيرة بسحرها، ونظافتها، ورقيّها الذي يرافقها إلى اليوم. أُغنية نجاة قصيدة، أو قطعة حلوى، أو كأس ماء.
