حين يكتب وزير الخارجية الإيراني الأسبق جواد ظريف في مجلة مرموقة مثل Foreign Affairs، فإن أهمية المقال الذي نشر بتاريخ 2026/7/20 لا تكمن فقط في مكانة الكاتب، بل في طبيعة الجمهور الذي يخاطبه، فالمجلة تُقرأ في دوائر صنع القرار في واشنطن والعواصم الغربية، وما يُنشر فيها يُنظر إليه باعتباره مساهمة في تشكيل النقاش السياسي، لا مجرد رأي شخصي.
ولهذا فإن مقال ظريف يستحق القراءة، لكن الأهم أن يُقرأ قراءة نقدية تسأل: ماذا قال؟ وماذا اختار ألا يقول؟
يبني ظريف أطروحته على فكرة أن الحروب الأخيرة أثبتت استحالة استبعاد إيران من معادلة الأمن الإقليمي، وأن الوقت حان لبناء نظام يعترف بدورها ويرفع عنها العقوبات ويُنهي الوجود العسكري الأمريكي بالخليج.
وقد تبدو هذه الفرضية متماسكة إذا بدأت القراءة من لحظة الحرب الأخيرة، لكنها تصبح أقل إقناعاً عندما نعيد أيام التاريخ إلى عام 1979، وننظر إلى المسار الذي أوصل المنطقة إلى ما هي عليه اليوم.
فالمشكلة الأساسية في المقال أنه يبدأ من النتائج، ويتجاوز الأسباب، ويتحدث عن أزمة الثقة، لكنه لا يسأل كيف نشأت هذه الأزمة! ويطالب جيران إيران بفتح صفحة جديدة، لكنه لا يوضح لماذا أُغلقت الصفحة السابقة! فدول الخليج تاريخياً، لم تتبنَّ مشروعاً أيديولوجياً عابراً للحدود، ولم تعلن يوماً أن من حقها التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى تحت أي مبرر، بل إن نموذجها السياسي والاقتصادي قام على المواطنة أولاً وعلى التنمية، وبناء الدولة الوطنية والحديثة، والانفتاح على الاقتصاد العالمي، والاستثمار في الاستقرار بوصفه شرطاً للنمو... ومن هنا، فإن تصوير هذه الدول باعتبارها طرفاً يسعى إلى محاصرة إيران أو استبعادها يتجاهل حقيقة أن سياساتها الأمنية تشكلت استجابة لبيئة إقليمية مضطربة، لا رغبة في خلقها. وفي المقابل، يصعب تجاهل أن الدستور الإيراني نفسه منح السياسة الخارجية بعداً عقائدياً من خلال النص على «دعم المستضعفين» في العالم الإسلامي! وبغض النظر عن اختلاف التفسيرات، فإن التطبيق العملي لهذه الرؤية انعكس خلال العقود الماضية في تدخل إيراني واسع في الدول العربية مثل العراق وسوريا ولبنان واليمن وفلسطين، إضافة إلى ممارسات متكررة أعلنتها وكشفت عنها دول الخليج بشأن خلايا مرتبطة بإيران أو أنشطة تجسس أو دعم جماعات موالية لها.
قد يختلف الباحثون في تقييم كل حالة على حدة، لكن من الصعب إنكار أن هذه الوقائع كانت عاملاً رئيسياً في تشكيل الإدراك الأمني الخليجي، ومن اللافت أيضاً أن ظريف يحمّل الوجود العسكري الأمريكي مسؤولية التوتر، بينما يتجاهل السياق التاريخي الذي أدى إلى تعزيزه، فالوجود الأمريكي في الخليج جاء كرد فعل، وتوسع بصورة كبيرة بعد الغزو العراقي للكويت عام 1990، ثم ازداد مع تصاعد التهديدات الإقليمية التي شعرت بها دول المنطقة والنظام الإيراني أحد مصادر هذه التهديدات.. ولذلك، فإن تقديم هذا الوجود باعتباره سبباً لكل أزمات الخليج يتجاهل أنه جاء، في جانب مهم منه، استجابة لطلب دول رأت أن بيئتها الأمنية لم تعد مستقرة.
الأمر نفسه ينطبق على مضيق هرمز. يحاول ظريف إعادة تعريف المضيق باعتباره ورقة سيادية، غير أن القانون الدولي ينظر إلى المضائق المستخدمة للملاحة الدولية بمنظور مختلف، إذ يخضعها لنظام المرور العابر الذي يهدف إلى حماية انسياب التجارة العالمية وعدم إخضاعها لإرادة دولة واحدة.
أما أكثر ما يلفت الانتباه في المقال فليس ما يقترحه، وإنما ما يغيب عنه، فهو يطالب برفع العقوبات، وإزالة تصنيفات الإرهاب، وتعويض إيران، والاعتراف بدورها الإقليمي، والضغط على إسرائيل، وإنهاء الوجود العسكري الأمريكي، لكنه لا يقدم مراجعة حقيقية لسياسات بلاده خلال العقود الماضية! لا نجد تقييماً لدعم الجماعات المسلحة، ولا مراجعة للتدخلات الإقليمية، ولا اعترافاً بأن جزءاً من أزمة الثقة الحالية كان نتيجة خيارات اتخذتها طهران، وهنا تكمن نقطة الضعف الأساسية في المقال.. فبناء نظام أمني جديد لا يبدأ بالمطالبة بتغيير سياسات الآخرين فقط، بل بالاستعداد لمراجعة الذات، وإذا كانت إيران تطلب من جيرانها تجاوز الماضي، فمن الطبيعي أن يُسأل قادتها: ما الذي تغير في السياسات الإيرانية حتى يطمئن الجوار إلى أن المستقبل سيكون مختلفاً عن الماضي؟ إن الكرة اليوم ليست في الملعب الخليجي وحده، كما يحاول ظريف الإيحاء به، بل في الملعب الإيراني أيضاً.. فإذا كانت طهران تريد بالفعل بناء نظام إقليمي قائم على التعاون، فإن الخطوة الأولى لا تتمثل في المطالبة بدور أكبر، وإنما في تقديم ضمانات عملية بأن هذا الدور لن يقترن بسياسات التدخل.. فالسلام لا يقوم على مطالبة الآخرين بالقفز على أسباب القلق، بل على إزالة هذه الأسباب، والثقة لا تُبنى بالخطب والمقالات والتغريدات، وإنما بتغيير السلوك.
وإذا كان مقال ظريف يمثل دعوة إلى حوار جديد، فإن نجاح هذا الحوار سيعتمد على استعداد إيران للإجابة عن السؤال المركزي والجوهري وهو: هل المشكلة كانت دائماً في النظام الأمني الذي نشأ في الخليج، أم أن هذا النظام كان، في جانب كبير منه، نتيجة مباشرة لسياسات إيرانية دفعت جيرانها إلى البحث عن بدائل لحماية أمنهم واستقرارهم؟
X: @MEalhammadi
كاتب صحفي
